في الثمانينات من القرن الماضي، وصلت طموحات التغيير في معسكر الدول الاشتراكية الذروة. أدخلت الدول الغربية لازمة «الديمقراطية وحقوق الإنسان» إلى المجتمعات الاشتراكية والشيوعية. تحولت اللازمة إلى «علكة» تناولتها عقول وأقلام النخبة، في البداية. ثم انتقلت إلى العوام فيما بعد، لتتخذ شكل ثورات وانتفاضات عارمة لم تهدأ. حدثت تغييرات دراماتيكية بدأت ببولندا، وانتهت بسقوط الاتحاد السوفيتي ذي الجبروت الكوني. أغرت الإدارة الأميركية الشعوب وقيادات التغيير الشرقية، بشبيه «مشروع مارشال» لتطوير أوروبا الشرقية.

تمتعت الدول الاشتراكية ببنية اقتصادية تحتية، ضاهت إلى حد ما نظيرتها في المجتمع الغربي الرأسمالي. هنالك قواعد صناعية علمية زراعية تجارية عريضة، متقدمة وقابلة للتطوير. برامج التعليم تبزّ نظيرتها في الغرب بشكل ملحوظ. في مجالات الديمقراطية وحقوق الإنسان والمرأة، لم تكن حقيقةً هنالك فروق جوهرية مشهود لها. الديمقراطية في الغرب تتركز حول الانتخابات الحرة، والتي فيها الكثير من الشوائب والسلبيات والمثالب.

الدول الاشتراكية التي خضعت للتغيير بدأت، وما زالت، تسعى لاهثة للالتحاق بدول المعسكر الغربي، سعياً وراء مساعدات وامتيازات. امتيازات ومعونات مبنية على الوفرة المالية والازدهار الاقتصادي. هذه عادةً ما تعطى للمتقاعدين والكبار في السن، وذوي الاحتياجات الخاصة. القارة العجوز في جعبتها من الوفرة الاقتصادية والثروة المالية، ما يغري الآخرين للتزلف منها. هنالك وسائل الراحة واللهو واللعب والتسلية، وتحقيق نتائج باستخدام التقنية الغربية المتطورة نوعياً.

مقارنة أوضاع العالم العربي بالدول الاشتراكية ممكنة، مع وجود فراغ وفجوات واضحة، بل شاسعة هنا وهناك. العالم العربي لم يتمتع بالحد الأدنى من الديمقراطية، لا بالمعيار الشرقي ولا الغربي. الأسباب كثيرة، تاريخية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وتربوية. جزء كبير من المجتمعات العربية لا يحترم التوجه الحقيقي للانتخاب الحر للرئيس أو المسؤول. الجهل والتخلف والإقليمية والتعصب الحزبي والفئوي، عناصر من كثرة تعيق تطبيق الديمقراطية القائمة على احترام حقوق كل إنسان. برامج التربية والتعليم للصغار والمراهقين والشباب والبالغين، تخلو من مساق أكاديمي واحد يعلّم ويعمم مبدأ احترام الرأي الآخر.

القواعد الاقتصادية والعلمية والتعليمية ضعيفة هزيلة، إذا كانت موجودة أصلاً. العالم العربي يدمن في جل توجهاته الأساسية اليومية، على مصادر خارجية؛ لم يُفطَم بعد عن المعونات الخارجية، ولو بشكل جزئي مقبول. هذا ما يجعله يتمتع باستقلالية سياسية اقتصادية شكلية مزخرفة لا تنفع، خاصةً في الأزمات.

هنالك أزمة حقيقية، بل «كارثية»، ناجمة عن عدم وجود برامج استيعاب وتطوير وتحديث، تساير مقتضيات الزمن. التزايد المطرد في عدد السكان يضيف عبئاً واضحاً، بل ثقيلاً على برامج التنمية، في كل الاتجاهات.

حقيقةً واقعةً؛ فالعالم العربي الآن يحتاج إلى تغييرات ديمقراطية، بقدر ما يحتاج إلى تنمية حقيقية، شاملة ما أمكن. على الأقل يجب أن تسير التغييرات الديمقراطية على قدم وساق، مع استحداث برامج تنمية وتطوير وتحديث. تغييرات من شأنها أن تنتقل بالشعوب العربية، إلى مرحلة تستطيع معها استيعاب المفهوم والتطبيق الحقيقيين للديمقراطية وحقوق الإنسان. يكون ذلك دون اللجوء إلى الفوضى الدموية والدمار والحروب الأهلية المزمنة، أو طويلة الأجل.

العالم العربي مقبل على مرحلة لم يخطط لها حزب أو مجموعة من الجيش، كما كان يحدث سابقا للدخول فيها. المبادئ والثوابت والثقافة والهوية، باتت في قلب الهدف. الشباب الثائر ثائر، ليس بالمعنى التقليدي. إنه ثائر أو منتفض على أجهزة وأنظمة، وضعت بينها وبين تنمية الواقع العربي حواجز شاهقة. باتت العلاقة بين قوم التغيير وواقعهم المرير، مثل علاقة «جحا بمسماره».

المراقب لأوضاع العرب وانتفاضاتهم وثوراتهم في اتجاه التغيير، يجد نفسه عاجزاً عن التكهن بشيء. لا يسعه إلا أن يصلي، يبتهل، يدعو الله تعالى لقدوم الأحسن. وذلك تفاديا لترديد قول المتشائمين الشهير «النحس الذي نعرفه خير من النحس الذي لا نعرفه».