هل جاءت كارثة مفاعلات اليابان النووية التي نجمت عن الزلزال الأخير، لتفتح عيون البشرية على الخطر المهلك الأبعد والمتمثل في الأسلحة النووية حول العالم؟

ربما كان ذلك كذلك بالفعل، سيما وأن الهول الحالي هو من نتاج تسريبات مفاعلات سلمية، وليس انحلالا لعناصر أو استخدامات لرؤوس نووية عسكرية، وإلا كانت الطامة أشد وقعا وهولا.

كانت البدايات في العام ‬1931، عندما وصف ألبرت أينشتاين نفسه بأنه «ليس محباً للسلم فقط، بل محب ومكافح من أجل السلم». وبعد مضي ثماني سنوات كتب أينشتاين إلى الرئيس فرانكلين دي. روزفلت يقول: «قد يكون ممكناً إطلاق تفاعل تسلسلي نووي في كتلة كبيرة من اليورانيوم، فتتولد عن ذلك كميات هائلة من الطاقة وكميات كبيرة من عناصر جديدة شبيهة بالراديوم».

منذ تلك الساعة دخل العالم ـ ويبدو أنه إلى غير رجعة قريبة ـ العالم النووي بشقيه العسكري والسلمي.

أطلق روزفلت مشروع مانهاتن، وهو الجهد المستعجل السري للغاية بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا، الذي أنتج أول قنبلة ذرية في العالم. وعندما انفجرت هذه القنبلة في ‬16 تموز/ يوليو ‬1945، تذكّر روبرت أوبنهايمر، المدير العلمي للمشروع، عندما كان في ميدان التجارب والاختبار «ألاموغوردو» التابع للمشروع في ولاية نيومكسيكو، القول الذي جاء في بهاغافاد غيتا (أنشودة الرب المبارك، من النصوص الهندوسية): «الآن أصبحت أنا الموت، إنني مدمر العالم».

في خطابه الذي ألقاه في براغ العام الماضي، أكد الرئيس الأميركي باراك أوباما التزام أميركا بالسعي لإقامة عالم خالٍ من الأسلحة النووية. ولكنه اعترف أيضاً بأنه قد لا يكون ممكناً تحقيق هذا الهدف خلال فترة حياته. على أن السؤال المطروح؛ هل الطريق معبد أمام أوباما في طريقه لإخلاء العالم من الأسلحة النووية؟

واقع الحال أنه مهما كانت استراتيجية أوباما منطقية على الورق، فإن عليها أن تتغلب على عوائق هائلة سياسية وعملية، وأكثر العوائق بروزاً هي معارضة مناصري الأسلحة النووية. فقد نددت افتتاحيات صحف محافظة بهذه المقاربة التي اتبعتها الحكومة، ووصفتها بأنها تنم عن ضعف وسذاجة. ويؤيد هذا الجدل بعض المعلقين المحافظين ومؤسسات الفكر والرأي، الذين يدعمون افتراضات الحرب الباردة حول القيمة الردعية التي يؤمنها وجود ترسانة أسلحة نووية كبيرة، ولا يثقون بأنظمة التحقق، أو يرفضون ببساطة سياسة مراقبة الأسلحة كمقاربة للأمن الدولي.

هل تستطيع أميركا ـ أوباما وحدها إخلاء العالم من الأسلحة النووية؟

يتطلب منع انتشار الأسلحة النووية، أكثر من أي وقت مضى، وجود تعاون بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، بالإضافة إلى الدول الناشئة. ومن أجل تحقيق هذا التعاون، تتوجب صياغة إجراءات للحفاظ على المقايضة بين نزع السلاح ومنع انتشار الأسلحة النووية.

في هذا الصدد يقول جورج بركوفيتش، نائب الرئيس للدراسات ومدير برنامج السياسة النووية في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي: «لقد أقنعت الطاقة المدمرة الهائلة للقنبلة الذرية الأولى، العديد من القادة بضرورة تقييد تلك الطاقة. وهكذا ولّد هدف منع انتشار الأسلحة النووية والبحث عن نظام لمنع هذا الانتشار، مجموعة من المعايير، والقواعد، والمؤسسات، والممارسات، لمنع انتشار الأسلحة والمواد النووية والمعرفة اللازمة لصنعها.. فهل تجيء كارثة اليابان الأخيرة لتعزز رحلة تحرير العالم من الأسلحة النووية؟

والسؤال الأهم بعد ما جرى في اليابان كذلك : «هل سيقدر لجيل الزعماء والرؤساء الحالي إخلاء العالم من الأسلحة النووية وتجنب أخطارها التدميرية ام ان الأمر بات مسؤولية الأجيال القادمة؟

عند يوهان برغينياس (‬28 عاما) يعتمد التقدم نحو عالم خالٍ من الأسلحة النووية على شباب العالم. ويوهان، هو باحث مشارك في واشنطن العاصمة، يعمل لدى مركز جيمس مارتن لدراسات منع انتشار الأسلحة النووية في معهد مونتيري للدراسات الدولية. وفي متن جوابه يقول: «لقد تنازل قادة العالم اليوم عن هدف تحقيق عالم خالٍ من الأسلحة النووية إلى الجيل القادم. في الماضي كان الشباب حول العالم كثيراً ما يقودون الحركات السياسية، والثقافية، والاجتماعية، والفكرية، وحققوا تقدماً كانت الأجيال الأكبر سنا تتخلى عنه وتعتبره أوهاماً. ومن أجل مواجهة تحدي إزالة الأسلحة النووية، يجب أن تذهب مساهمات الشباب مرة أخرى إلى ابعد من مجرد المثالية... ولكن كيف؟

أولا: يجب على القادة الناشئين، من خلال التعليم والتعاون مع النظراء الأجانب، أن يسعوا إلى فهم العالم كما هو الآن وليس كما كان أيام الحرب الباردة، وتفنيد الحجج البالية حول فائدة الردع النووي.

ثانيا: لأن لدى كل البشرية مصلحة في إزالة الأسلحة النووية، يجب ان يبرز شباب اليوم لتعريف أنفسهم ليس كمواطني دول فحسب، بل وأيضاً كأعضاء مجتمع عالمي.

ثالثا: عند مناقشة حسنات الإزالة الكاملة لترسانات الأسلحة النووية العالمية، يجب ان يمتنع الشباب عن وصف أولئك الذين يعارضون ذلك بالشياطين.

لا تنحصر عواقب استعمال الأسلحة النووية بالموت، والدمار، والتسمم الإشعاعي. فالأبحاث العلمية تقول لنا ان استعمال نسبة ‬0,03 بالمئة من الترسانة النووية العالمية فقط قد يحدث تغييراً كارثياً في المناخ.

ونهاية القول انه لا يمكن استدامة هذا الوضع إلى ما لا نهاية. وطالما ظلت بعض الدول تملك أسلحة نووية سوف تسعى دول أخرى إلى امتلاكها لمصلحة أمنها القومي، أو كرمز لمركزها في العالم، أو لاستخدامها في عمليات هجومية. فقط في عالم ممكن التحقق من خلوه من الأسلحة النووية، لن يكون هناك أي انتشار. وسوف يكون ذلك العالم عالماً أكثر أماناً وعالماً أفضل للجميع، بصورة متساوية.