مخطئ من يعتقد أن المواطن الإماراتي لا يشغله إلا شأنه الخاص، ولا ينظر أبعد من رمية حصى أو أنه يعيش لنفسه، فما وصلني من تعليقات وردود أفعال على مبادرة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، بإنشاء صندوق لتمكين المواطن، وعلى ما طرحته حول حتمية التلاحم الوطني، أثلج صدري وأسعدني. ومصدر سعادتي يرجع إلى سببين رئيسيين:
الأول؛ أن أبناء هذا الوطن متيمون بحب ترابه، وهذا الحب الذي يصل إلى درجة العشق، ليس نابعا من حماسة مؤقتة أو اندفاع لحظي، بل إن قاعدته وعي كبير بمصلحته وأمنه والتحديات التي تواجهه، ورغبة جامحة في أن يشاركوا ولو بسهم في مسيرته التنموية، وهذا ينفي أي زعم بأن أبناء الوطن يشغلهم الشأن الخاص دون العام، لأن هناك من يريد أن يتحمل جزءاً من العبء الملقى على كاهل الحكومة.
ثانيا؛ أن هناك من لديهم ما يقدمونه لوطنهم من أفكار هي بنت بيئتهم وظروفهم، سواء اختلفنا معها أو اتفقنا معها بشكل جزئي أو بالكلية، إلا أن هذا الطرح في حد ذاته هو من أهم الجوانب المعززة لتلاحمنا الوطني، عندما يستشعر المواطن أن لرأيه قيمة وأنه جزء من هذا الوطن، وهذا ما نحتاج إليه وما تسعى القيادة الرشيدة إلى تحقيقه وتعميقه.
وهذا ما دفعني إلى عرض جانب مما وصلني من الأخ «جنيد محمد عبد الله خوري»، انطلاقا من أن البرامج الحكومية التي أنشئت في إمارة دبي لدعم مشاريع الشباب، هي مثال حي على إمكانية النجاح، كما أنها تعتبر معيارا مشجعا لتطويرها وتعميمها على مستوى الدولة، بغرض تشجيع عامة الشباب على الدخول إلى قطاع العمل الحر، مع الأخذ في الاعتبار واقع قلة الدراية التجارية لدى الشباب المواطنين، ودراسة السبل الممكنة للتعامل مع ذلك الواقع، والتي تهدف إلى إيجاد مصالح مشتركة قوية تربط بين جميع أفراد المواطنين، ورفع مستوى الحس الوطني عندهم وتحسين مداخيلهم المباشرة، حتى للأطفال منذ طفولتهم المبكرة، وتطوير الاقتصاد الوطني، والتقليل من المخاطر الأمنية المرتقبة مع التوسع الاقتصادي والعمراني، والأهم من ذلك كله تدريب أبنائنا على خوض غمار الأسواق المحلية والدولية بنجاح، وهي كالتالي:
?1. أن تدرس الحكومة وبتمعن فكرة إنشاء مؤسسة مصرفية استثمارية إسلامية وفق النظام التعاوني، برأسمال كبير ممول بالكامل من الجهات العليا (بحيث تلعب دور الشركة القابضة)، وتوزيع ?60? (على الأكثر) من أسهمها على المواطنين بالتساوي صغارا وكبارا، ذكرانا وإناثا، الفقراء والأغنياء، على أن تكون تلك الأسهم غير قابلة للبيع أو الرهن أو أي نوع من أنواع انتقال الملكية إلا عن طريق الميراث، و?40? من الأسهم الباقية يكون ريعها مخصصا لإصدار أسهم جديدة لكل مواطن مستقبلي، سواء المواليد الجدد أو غيرهم على نفس المنوال (ومن بعض آثار ذلك أن يشجع الأسر الوطنية على التكاثر).
أن تنشئ المؤسسة المصرفية وحدة محترفة عالية الكفاءة لدراسات الجدوى، سواء لدراسة المشاريع الكبرى التي ستستثمر فيها، أو لإسداء النصائح والتوجيهات للمبتدئين من رجال الأعمال من المواطنين، حيث إن المؤسسة المصرفية ستعمل على دعم مشاريع المواطنين، سواء من ناحية التوجيهات والنصائح وبالتالي التسهيلات والدعم المادي، حيث إن المنظومة المصرفية التقليدية تتوجه دائما نحو تكريس التمويل تجاه الموسرين وذوي الملاءة من الذين يملكون الضمانات بأنواعها، بحيث يتحمل المستثمر وحده كافة المخاطر، وفي المقابل ليس للجدوى الاقتصادية للمشروع اعتبار يذكر، بل التأكد من قوة الضمانات هو المعيار الأهم، وفي خضم ذلك لا يمكن للمبتدئين من رجال الأعمال أن يحصلوا على أية فرصة تذكر من التمويل أو المساندة، من خلال المنظومة المصرفية التقليدية.
وحيث إن هذا المشروع من المفترض أن يكون حيويا جدا بالمعيار الوطني، فإنه من المتوقع أن تقوم الحكومات المحلية والحكومة الاتحادية بدعمه ماديا ومعنويا وتسهيل العقبات الإجرائية له، وأن يعطى الأولوية في كل شيء، وأن تمنحه الحكومة جميع أشكال الدعم المادي الممكنة، مثل منح الأراضي، أو إيداعات أو قروض ميسرة أو غير ذلك.
بناء على كل ما سبق، فإنه لا بد للمؤسسة المصرفية المقترحة من «تفريخ» مشاريع حيوية واستراتيجية، بحيث تحتفظ المؤسسة المصرفية بـ?40 من أسهمها وتطرح ?60? من الأسهم للاكتتاب العام، سواء على النظام التعاوني أو نظام الشركات المساهمة العامة، حتى يتمكن عامة المواطنين من استثمار مدخراتهم المحدودة في مشروعات ذات مردود عالٍ. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإنني أذكر بعض المجالات التي قد تكون مناسبة للنظام المقترح، وهي: قطاع تطوير الدخل البحري، وقطاع المواد الغذائية، وقطاع المستشفيات الخاصة والصناعات الدوائية محليا ودوليا وغيرها.. ولا شك أن ذلك سيعمل حتما على زيادة تلاحم المجتمع وتعاضده، وتمكين المواطن من الاستفادة من المشروعات والفرص التي تعمل قيادات الدولة دون كلل على إيجادها.
وسواء اتفقنا مع ما تم طرحه أو اختلفنا معه، وسواء كان قابلا للتنفيذ أو عصيا عليه، إلا أن ذلك يعني أن حالة من التواصل بين القيادة والشعب هي المحرك الرئيس لطاقات أبنائه لطرح ما لديهم من رؤى.
إن الكثير من أبناء الوطن يريدون المساهمة في الارتقاء به دوما، لكن البعض منهم لا يدري كيف يتم ذلك، وهذا لن يكون إلا بالتأكيد الدائم على أهمية الحوار المجتمعي في ما يخص قضايا الوطن بحلوها ومرها، ما من شأنه أن يجعل من التلاحم الوطني قوة تفوق كل القوى، وحصنا منيعا في وجه كل الأخطار.. وهنا تأتي بشائر التمكين المبني على حب هذا الوطن والفناء دونه.