يتحول صراع واشنطن العملاق، بشكل خطير إلى منعطف شديد الجدية في غضون بضعة أسابيع، عندما يتعين رفع سقف الدين الأميركي. وإذا لم يتم ذلك، فلن يتم إصدار شيكات الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، وسوف تدخل أميركا دائرة التخلف عن سداد ديونها.

سوف يجعل هذا من شلل الحكومة شيئاً هيناً كلعبة أطفال، مقارنة بما يمكن أن يحدث في هذه الحالة.

يتعهد الجمهوريون بأنهم لن يصوتوا لرفع سقف الدين دون إجراء تخفيضات أكبر بكثير في الميزانية الفيدرالية بالنسبة لباقي العام، لكن مثل هذه التخفيضات سوف تعرض الانتعاش الهش للخطر.

يجب على الرئيس الأميركي باراك أوباما أن يبذل كل ما في وسعه لتوفير فرص عمل الآن، بدلاً من خفض ميزانية هذا العام. لكن هل سيخوض المعركة؟ لا تعولوا على ذلك، فمن المرجح بشكل أكبر أنه سوف يقوم «بالتثليث»، مثل الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون.

يعتقد مساعدو الرئيس أوباما الحاليون، الذين كان يعمل الكثير منهم في إدارة بيل كلينتون ويتذكرون بوضوح التجديد النصفي لكلينتون في عام ‬1994 وإعادة انتخابه بعد عامين، أن الرئيس يتعين عليه أن يتبع طريقة كلينتون. ينبغي على أوباما أن ينأى بنفسه عن الديمقراطيين في الكونغرس، ويتبنى تخفيض العجز، ويسعى إلى الحصول على الإرشاد من الشركات التجارية الكبرى، فهم يفترضون أنه بما أن سياسة التثليث أفلحت مع كلينتون، فسوف تفلح مع أوباما.

إنهم مخطئون، فتحول كلينتون إلى اليمين لم يكن سببا في فوزه بإعادة الانتخاب في ‬1996، وإنما أعيد انتخابه بسبب قوة الانتعاش الاقتصادي. فبحلول ربيع ‬1995، كان الاقتصاد الأميركي قد ارتد بالفعل، موفراً فرص عمل بمتوسط مئتي ألف وظيفة جديدة في الشهر. وفي مطلع عام ‬1996، بلغ الأمر حداً مدوياً، حيث توفرت ‬434 ألف وظيفة جديدة في شهر فبراير وحده.

كان الركود الاقتصادي عامي ‬1991 و‬1992 محدوداً نسبياً، ذلك أن فترات الركود انتهت. وكما هي بالنسبة لمعظم فترات الركود الاقتصادي، بادر مجلس الاحتياط الفيدرالي برفع أسعار الفائدة إلى مستويات عالية جداً، استجابة للمخاوف من التضخم، وقد سهل هذا من الترتيب للانتعاش اللاحق، فقام المجلس بعكس المسار وتخفيض أسعار الفائدة قصيرة الأجل.

لم يحالف الرئيس أوباما الحظ بهذا القدر، وجاء الكساد العظيم عقب انفجار فقاعة الديون العملاقة. فالإقراض والمضاربة غير المسؤولين من جانب وول ستريت، إلى جانب الرقابة غير الحكيمة من جانب الجهات التنظيمية الفيدرالية، أوجدت مزيجاً فاسداً انفجر في نهاية ‬2007، وما زلنا نشعر بهزات الانفجار الناجمة عن ذلك حتى الآن. وأبقى مجلس الاحتياط الفيدرالي أسعار الفائدة قريبة من الصفر لأكثر من عام، وفتح سدادات نافذة الخصم، دون نتيجة أكبر، بينما يواصل معدل البطالة التحليق حول ‬9؟، وحالة النمو الاقتصادي مثيرة للشفقة.

نعم، ترتفع أرباح الشركات، لكن القليل منها يتقاطر إلى القطاعات الاقتصادية الرئيسية في أميركا. دائماً ما تأتي الوظائف بعد الأرباح، ولكن الشركات توظف الآن ببطء شديد، ذلك أن أرباحها تأتي أساسا من رواج مبيعاتها من عملياتها الخارجية، خصوصا في الصين والهند، جنبا إلى جنب مع تخفيضات في الأجور والوظائف والفوائد هنا في الولايات المتحدة. نعم، يرتفع مؤشر سوق الأوراق المالية، لكن هذا لم تتم ترجمته إلى نمو كبير.

تعاود فئة أغنى ‬10٪ من الأميركيين، وهم الذين يمتلكون نحو ‬90٪ من جميع الأصول المالية، الشراء مجدداً (شركتا نيمان ماركوس وتيفاني وشركاه اللتان تحققان نتائج جيدة)، لكن معظم الأميركيين لا يزالون يحصلون على القليل من القوة الشرائية، وما زالوا قلقين بشأن وظائفهم وأجورهم، وتواصل أصولهم الرئيسية وأسعار منازلهم الانخفاض في القيمة، وتمضي أسعار الوقود في اتجاه الصعود، وثقة المستهلك بلغت أدنى مستوياتها في خمسة أشهر.

لا يمكن الحفاظ على انتعاش قوي، من خلال الـ‬10 الأكثر ثراء في أميركا. قبل فترة الركود الكبير، تلقت هذه الفئة نحو نصف إجمالي الدخل، لكنهم شكّلوا حوالي ‬40٪ فقط من إجمالي الإنفاق. لا تكفي نسبة ‬40٪ من الإنفاق لإقناع الشركات بالاستثمار في قدرات وفرص عمل جديدة، وهذا هو السبب في أن الشركات ما زالت تجمد ما يقرب من تريليوني دولار من النقد. لذا فقدت العديد من الوظائف منذ انتخاب أوباما، وانضم الكثير للغاية من الناس إلى قوة العمل التي تحتاج إلى وظائف. وحتى لو كان نمو الوظائف يتناسب مع السرعة غير العادية في أواخر التسعينات من القرن الماضي، عاما بعد عام، فإن معدل البطالة لن يقل عن ‬6٪ حتى عام ‬2016. وهذه الوتيرة في نمو الوظائف غير محتملة الحدوث، على أقل تقدير.

لو تمكن الجمهوريون من خفض الإنفاق الفيدرالي بشكل كبير من الآن وحتى يوم الانتخابات، بينما تواصل النفقات الحكومية الانكماش وترتفع أسعار الوقود، فلن يكون هناك ما يكفي من الطلب على السلع والخدمات التي يستطيع الاقتصاد إنتاجها، وسوف يعني هذا ارتفاعاً متواصلاً في معدل البطالة ونمواً هزيلاً.

إن التحدي الذي سيواجهه الرئيس أوباما في عام ‬2012، ليست له علاقة بالتحدي الذي واجه بيل كلينتون في ‬1996. وإذا كان أوباما يريد أن يشعر الأميركيون بالتفاؤل بشأن الاقتصاد بحلول موعد الانتخابات، فعليه محاربة خطط الجمهوريين لخفض العجز في الموازنة بين الحين والآخر.. ولن تكون لاستراتيجية التثليث جدوى.