تُعد اليوم مجلة أسبري (Esprit) من أبرز المجلات الفرنسية والعالمية، إذ هي تتناول، بأقلام كبار المؤلفين من الفلاسفة والمفكرين وأهل الاختصاص بكل موضوع ومحور، أبرز مشكلات الساعة، بقدر ما تتناول القضايا الفكرية القديمة والمتجددة. وهي كعادتها، تفتح في كل عدد ملفاً يخص قضية من القضايا، وكان محور العدد لشهر نوفمبر الماضي (2010)، يتعلق بما سمته «ذاكرة الحروب» في القرن العشرين، ويضم مقالة عن «البطولة الحربية» كتبها كريستوف بوتون، وفيها يعيد النظر في مسألة البطولة، باستعراض نقدي تحليلي لآراء عدد ممن عالجوا هذه المسألة، أمثال هيغل وهيدغر.
وفحوى كلامه أن البطل يعرَّف، دوماً، بوصفه من يضحي بنفسه من أجل سواه، أو من أجل قضية يرفعها إلى مرتبة القداسة. ولكن هذا التعريف يُغفل الوجه الآخر للعملة، وهو كون البطل يملك القدرة على أن يموت، بقدر ما يملك القدرة على أن يقتل غيره. وهكذا يقوم بوتون بإنزال البطل عن عرشه وتجريده من طهرانيته، لكي يبرز وجهه الآخر الذي يتم طمسه، أي أن البطل هو «قاتل» في النهاية.
وفي ما يخصني أنا الذي عانيت، مع سواي، من حروب الشعارات والنصوص والآلهة، قديمها وجديدها، لم أكن أنتظر غيري لكي أُعيد النظر في مفهوم البطولة. فأنا من القائلين: كلما قتل إنسان نظيره فزعت من نفسي. من هنا فإن تأملاتي حملتني، منذ زمن، على تفكيك المفهوم، لإبراز الوجه الوحشي للبطل، كما عبرت عن ذلك بقولي «إن البطولة تجسّد القتل». والبطل لا يقتل، دوماً، في حالة الدفاع المشروع عن النفس؛ وإنما قد يمارس القتل لنشر عقيدة يعتبرها صحيحة، أو لتطبيق نظرية يعتبرها عادلة، فيما هي غير ذلك في نظر سواه.
هذا ما يشهد به تاريخ الحروب الدينية والاستعمارية القديمة والحديثة، بفتوحاتها وغزواتها وحملاتها، التبشيرية أو التقدمية، ضد الأقوام والجماعات التي سُميت بدائية أو جاهلية أو مُتخلفة... وإذا كان الحيوان يقتل للحصول على غذائه أو للدفاع عن موطنه، فإن البشر كثيراً ما يلجأون إلى تجميل حروبهم تحت شعارات نبيلة أو سامية، لإخفاء إرادة الهيمنة والسيطرة، أو منازع الكره والعداء.
بهذا المعنى، إن تمجيد البطولات هو مديح للعنف وحض على ممارسته. قد يكون العنف ضرورة لا مهرب منها، يلجأ إليها الواحد، في الحالات القصوى، التي هي الدفاع المشروع عن النفس، أو عن الأهل أو الوطن... ولكن ذلك لا يُعد بطولة، وإنما هو ضرورة من أشنع الضرورات. لنعترف بذلك، إذا شئنا التخفيف من منازع العنف، فلا نمتدح القتل، أياً كانت مشروعيته ومبرراته.
ولشدّ ما أعجبني الناشط البارز في ثورة مصر، وائل غنيم، عندما أعلن أمام جموع المتظاهرين، بعد خروجه من السجن، بأنه ليس بطلاً، بل واحد منهم. لقد ولّى زمن الثورات التي يقودها بطل ملهم أو زعيم أوحد، فالثورات الجديدة هي صنيعة كل مَن ينخرط فيها أو يضحّي من أجل شعاراتها.
يقول صاحبي: إنك أصبحت تغالي في هجومك على النخبوية إلى حدّ جعلك لا ترى فرقاً بين أهل العلم والفلسفة، وبين بقية الناس، من حيث العلاقة مع الشأن الفكري.
وأُجيبه بالتأكيد على موقفي، بأن التفكير بصورة حية ومبتكرة ليس حكراً على الفلاسفة والعلماء من المفكرين المحترفين المنتجين للأفكار، بل هو ميزة الإنسان عامةً. وأذكره بأن مقولة ديكارت القائلة «أنا أفكِّر إذن أنا موجود»، والتي عدّت بمثابة أحد مفاتيح الدخول إلى العالم الحديث، لا تعني الفلاسفة وحدهم، أو تنطبق عليهم دون سواهم، وإنما هي تخص كل من يمارس وجوده على سبيل الفاعلية والحضور والازدهار، عبر ممارسته لفكره بصورة حية، خلاقة، متجددة، بنّاءة، مثمرة...
بالطبع ثمة فرق بين الفلاسفة والعلماء، وسواهم من العاملين في بقية الحقول والقطاعات، لأن الأُوَل يصوغون تجاربهم ومعارفهم على شكل نظريات أو مفاهيم أو نماذج أو مناهج، في حين يصوغ الآخرون خبراتهم ومعارفهم بلغة أبسط على شكل أمثلة، ولكنها معبِّرة ولا تخلو من العمق والنفاذ.
وإذا كان ديكارت قد عبّر عن أهمية الشأن الفكري بأدوات اختصاصه، أي على شكل معادلة مصاغة بلغة مفهومية، فإن هذا ما يعبّر عنه كل الناس بلغتهم العادية البسيطة. ولذا نرى الواحد إذا أراد أن يُثني على شخص يقول إنه ذو عقل أو يحسن التفكير. وبالعكس، إذا أراد أن ينتقص من شأنه، يقول إنه لا يفكر أو بلا فكر...
أقول ذلك، إذ تحضرني عبارات وردت في مقالات لبعض الكتّاب، حول تفسير الانتفاضات التي اندلعت في غير بلد عربي، على نحو فاق التوقعات، مثل «طفح الكيل»، أو «القشة التي قصمت ظهر البعير». مثل هذه المأثورات هي المعادل الشعبي للمقولة الفلسفية المشهورة: التراكم الكمي قد يتحول إلى تغيير نوعي.
ومن الممكن إيراد الشواهد على هذا التحوّل في غير مجال. فالدَّين العمومي، مثلاً، يظل مقبولاً، ولكنه قد يتراكم لكي يتحوّل إلى عجز أو إفلاس، وعندها يولّد وضعية جديدة. كذلك فالسمنة تبقى عارضة، ولكنها قد تزداد لتتحول إلى مرض يحتاج إلى المعالجة. وهذه حال التوترات الصغيرة، قد تتفاقم لكي تنفجر وتتحول إلى عداوة أو إلى نزاع. وفي مثال أخير، قد تتسع التظاهرات التي هي مجرد احتجاج، لكي تتخذ شكل حشود بشرية، فتنتقل من كونها مجرد انتفاضة لكي تصبح ثورة تهدد نظام الحكم أو تؤول إلى سقوطه.
وهذا ما حصل في ما يخص الثورات الجارية: لم يعد ثمة مجال للزيادة، بعد أن بلغت الأمور حدها الأقصى من البؤس والتردي والانهيار، فساداً واستبداداً أو فقراً ومهانةً، فيما يخص حريات الناس وحقوقهم ومصادر عيشهم. ولم يعد ممكناً السكوت على ما تمارسه الأنظمة من الاستئثار والاحتكار للسلطة والثروة، أو المصادرة والإهانة للحرية والكرامة، الأمر الذي دفع الناس إلى كسر حاجز الخوف، وجعل الجموع تخرج إلى الساحات لكي تحتج وتنتفض وتطالب بالتغيير الشامل، غير عابئة بالتضحيات، إذ هي لن تخسر شيئاً، ما دامت لا تملك شيئاً.
وهكذا انقلبت الأمور رأساً على عقب. بمعنى أن النظام الذي كان يبدو قوياً ومتماسكاً، قد تداعى من فرط ضعفه. والحاكم الذي كان يرعب شعبه، أصبح هو الخائف والمرعوب. وذلك هو مآل كل حدٍّ أقصى: أن يُنتج ضدَّه.