هل يمكن أن نطلق عليه نفاقا إداريا أم فسادا إداريا، أم هو يا ترى أسلوب جديد في الإدارة الحديثة جار تطبيقه وسوف تتضح نتائجه الباهرة مستقبلاً؟ انه التوطين ومستقبله في بلادنا. لقد أصبحت شعارات التوطين كثيرة ومتعددة، الكل يرفعها، الكل يعرفها، والكل متحمس لها ولكن القضية لا تتحرك كثيرا.
بل انها الآن، وبعد أربعة عقود من عمر الاتحاد، أصبحت نسبة المواطنين في بعض المؤسسات الوطنية والتعليمية الرائدة تتراجع بعد أن وصلت إلى مستوى مناسب قبل عقدين. الكل يدرك أن هذه القضية سبب في الكثير من الاحتقان والسخط الشعبي والكل يعرف أننا بحاجة لدفعة أقوى لدفع عجلة التوطين إلى الأمام، ولكن الجهود التي بذلت حتى الآن لم تستطع تغيير هذا الواقع كثيرا. الكل يشعر أن التوطين مطلب شعبي وقضية ضرورية.
ولكن لا تزال الجهود المبذولة لا ترقى إلى مستوى تطلعات المواطنين وتوقعاتهم وآمالهم في سوق عمل ناشط يحظى فيه المواطن بنصيب وافر. الكل ينادي بتغير هذا الواقع ولكن القليل منهم لديه الشجاعة الكافية للإشارة إلى مواطن الخلل الحقيقية والفعلية. الجميع متفق على الإحلال أو كما يجب أن نسميه «التوطين التدريجي» ولكن الجهود في هذا الصدد تمشي بطيئة جدا عكس كل شيء آخر سريع في الإمارات. فلا غرو أن تصبح قضية التوطين في مجتمعنا قضية صعبة الفهم على المواطن البسيط وأن تعجز كافة المعاجم عن ايجاد التفاسير لشرح ما يحدث.
في الكثير من المؤسسات الوطنية الكبرى والرائدة هناك حاجة ماسة للتوطين، ليس لأن التوطين من السياسات العامة للدولة فحسب بل لأن التوطين أصبح مطلبا ضروريا في هذه المؤسسات بعد أن تناقصت أعداد المواطنين بصورة كبيرة ومخيفة وأصبحت بيئة العمل هناك جاذبة لكل الجنسيات ما عدا أهل البلاد. هناك عشرات المواطنين، وبالطبع ليس لدينا الكثير من العشرات، يتركون العمل في هذه المؤسسات الحكومية سنويا إلى الأعمال الحرة ليس لأن «الأعمال الحرة» مردودها المادي أكبر .
ولكن لأنها توفر مخرجا مشرفا لهم بعد أن ضاق صدرهم بما يلاقونه من عوائق واحباطات في تلك المؤسسات العامة. هناك المئات من المواطنين وفي مقتبل العمر وفي قمة العطاء يتقاعدون عن العمل في القطاع الحكومي ويكتفون براتب التقاعد على الرغم من قلته وصعوبات الحياة المعيشية بعد أن أصبحت بيئة العمل الحكومي غير جاذبة على الإطلاق بل هي طاردة. فلا حوافز ولا ترقيات، والمبررات كثيرة، أحيانا بسبب قلة المخصصات وأحيانا أخرى بسبب التقشف والميزانيات.
وأحيانا ثالثة لأن خطط وسياسات وحوافز ذلك الخبير أو المدير قد استحوذت على ثلثي الميزانية فلا توجد فوائض للتعيينات الجديدة. وتكون النتيجة الآلاف من المواطنين المؤهلين إما قابعين في منازلهم في انتظار الفرج وإما متقاعدين يائسين.
والوضع لا يختلف كثيرا بالنسبة للشباب حديثي التخرج. فهناك المئات من الشباب يتقدمون لوظائف في القطاع الحكومي ويجدون أنفسهم في نهاية الطابور إما لقلة الخبرة وإما لقلة الحوافز. وتكتفي المؤسسة بعبارة يتيمة بعد كل إعلان لوظيفة شاغرة «تعطى الأولوية للمواطنين» سواء كانت هذه الوظيفة مؤقتة أو دائمة، دنيا أو مديرا تنفيذيا. والنتيجة معروفة مسبقا.
بطالة تحت مسميات عدة
البطالة التي تظهر في مجتمعنا نوعان بطالة إجبارية وأخرى اختيارية، وكلاهما نتاج فشل عملية التوطين الحقيقية. البطالة الإجبارية معروفة وهي عندما يفشل الفرد في إيجاد وظيفة تناسب مؤهلاته، أما الاختيارية فهي عندما يجد المواطن نفسه أمام وظيفة حوافزها المعنوية بسيطة، ومردوها المادي قليل.
وببساطة مساوئها أكثر من فوائدها. عندها يفضل البقاء دون عمل على أن يعمل في وظيفة غير مرتاح لها. ولكن هناك بطالة تحت مسمى آخر هي «المقنعة». فهي تظهر عندما تضطر بعض المؤسسات العامة إلى تعيين عدد من المواطنين لدرء الرماد في العيون. فيجد المواطن نفسه في وظيفة لا يعرف أصلا كيف ولماذا وضع فيها، وما هو العمل الموكول إليه أصلا، ولكن الذي يعرفه أنه يستلم مرتبه في نهاية كل شهر دون أن يبذل جهدا يذكر.
فكيف السبيل إذا إلى شرح قضية التوطين وعوائقه للمواطن الباحث عن عمل أو ذاك الذي لديه عدد من الأبناء على مشارف التخرج والالتحاق بسوق العمل؟
بما أن التوطين أصبح جزءا من السياسات العامة سوف تكتفي الكثير من المؤسسات العامة والخاصة بتعيين الحد الأدنى من المواطنين، وتظل بالطبع ترفع شعارات التوطين في حالة وجود وظائف شاغرة. سوف يظل المئات من المواطنين يتقدمون سنويا لتلك الوظائف ومنهم من هو كفؤ للعمل وفيه كل المؤهلات ولكن تلك المؤسسات تفضل التنويع والترشيد والاستفادة من الخبرات الأجنبية التي تأتي بمردود وسمعة مدوية لتلك المؤسسة.
و يظل المواطن غير قادر على الولوج إليها إما أنها أصبحت لا ترغب في تعيين مواطنين جدد وإما لأنها أصبحت طاردة للمواطنين الموجودين فيها أصلا. كما أن الصورة النمطية عن المواطن أنه سلبي ولا يرغب في أي عمل إلا ذاك الذي يناسب مستواه الاجتماعي ومؤهلاته، سوف تظل تلاحق المواطن فترة من الزمن. وبالطبع سوف تساهم الأوضاع الاقتصادية في كبح جماح النمو الاقتصادي وتقليل فرص طرح وظائف جديدة للمواطنين. ولذا سوف تظل قضية التوطين تراوح مكانها زمنا قبل أن تتحرك قليلا إلى الإمام.
في المجتمعات العربية الأخرى يجد الشباب في الهجرة حلما ومخرجا لهم من الأزمات الاقتصادية الطاحنة وحلا سريعا لظروف الحياة الصعبة، ولكن في مجتمعنا حيث الظروف الاقتصادية الميسرة نوعا ما، والظروف الاجتماعية الموجودة، يتضاءل أو ينعدم التفكير في الهجرة إلى الخارج، ولكن بالتأكيد لن ينعدم تماما إذا ما ظلت المواقف الحالية تجاه عملية التوطين سائدة .
وظلت النظرة للمواطن على أنه سلبي وغير قادر على مواكبة المتغيرات العصرية سائدة. لقد أثبت المواطن كفاءته في الكثير من الوظائف سواء تلك التي وطنت أو تلك الحديثة على مجتمع الإمارات كحقل السياحة مثلا. إذا فما هو المطلوب لجعل قضية التوطين قضية ممكنة الحل وغير عصية على فهم المواطن؟