تجاوز عدد منتسبي الحزب الدستوري التونسي مليوني منتسب (عضو)، وكان للحزب الأكثرية الساحقة في مجلس النواب ومجلس المستشارين ومجلس الوزراء، والوظائف العليا في إدارة الدولة والقطاع العام، بدءاً من رئيس الجمهورية وصولاً إلى أصغر موظف في الدولة، وقد قدمت له السلطات التونسية المقرات والمساعدات المالية باعتباره الحزب الحاكم، وأعطت لأعضائه الأولوية في الوظائف والمنح والامتيازات والمكاسب كبيرها وصغيرها، وذلك حرصاً على (أمن النظام ومصلحته) كما كانوا يزعمون، ولم يقف بوجه امتيازاتهم شيء سواء كانت هذه الامتيازات قانونية أم مخالفة للقانون (أليسوا هم أعضاء الحزب الحاكم وعدته وعتاده وسداه ولحمته)، وتحول الحزب برمته (مؤسسة وأعضاء) خادماً للسلطة، تابعاً لها، ثم صار مع الزمن خادماً للرئيس، وسوطاً بيده يعطيه الشرعية ويضرب به المعارضين، وغطاء للعسف وخرق القانون وتزوير الانتخابات والتشدق بالديمقراطية التي لم تتحقق حتى ولا داخل الحزب نفسه، ولم يجد أعضاء الحزب بداً من التدليس والنفاق سبيلاً لتحقيق الامتيازات والمكاسب. وعندما قامت انتفاضة الشعب التونسي التي تحولت إلى ثورة، لم ينصر عضو واحد من الحزب حزبه، ولم يجد أحد من منتسبي الحزب أن من واجبه الوقوف مع الحزب والدفاع عنه، أو عن مقراته التي أحرقت. وبدا للمراقب وكأن الحزب الدستوري لم يكن موجوداً في الأصل، وأنه مجرد وهم أوهم به النظام شعبه، مع أن الحزب الدستوري الذي تأسس عام 1930، كان حزباً مناضلاً وقائداً طليعياً شكل السلاح الأمضى الذي أتاح لتونس الحصول على استقلالها، وبرز من بين صفوفه مناضلون وقادة حركات شعبية ورجال دولة، وقدم أعضاؤه التضحيات الجسام، من أموالهم ودمائهم، فضحوا بحياتهم من أجل استقلال بلدهم وتطويره الاقتصادي والاجتماعي، وكانت انقسامات قادته ومناضليه تعود للاختلاف بوجهات النظر حول الطريق الأفضل لتطوير تونس وتحقيق تنميتها ورفاه شعبها ورفع مستواه المعاشي وترسيخ دولته، وليس بسبب الاختلافات على الامتيازات والمراتب العالية ومناصب الدولة، ولنتذكر أن من قادته صالح بن يوسف وأحمد بن صالح وأخيراً الحبيب بورقيبة الذي توفي ولم يوجد في حسابه البنكي دينار واحد. لكن هذا الحزب نفسه هو الذي قدم في العقود الثلاثة الأخيرة مئات بل آلافاً من الأغنياء الجدد الذين جمعوا أموالهم بطرق غير مشروعة، واستغلوا الحزب والدولة لتحقيق ذلك وهيمنوا عليهما، ومارسوا العسف والقمع وإلغاء الحريات ورفض الديمقراطية وتداول السلطة، وحولوا الدولة برمتها إلى ملكية خاصة، ونشروا الفساد والإفساد وانتهكوا الحرمات والمحرمات، فتفكك المجتمع، وارتفعت نسب البطالة والفقر والجوع، وتخلخلت القيم الأخلاقية والوطنية والاجتماعية، ولم يعد الحزب الدستوري هو الحزب الذي نعرفه، كما لم تعد أهدافه هي نفسها التي ناضل من أجلها عشرات السنين.
لم يكن الحال الذي وصل إليه الحزب الوطني المصري بأفضل من حال الحزب الدستوري، لكن الحزب الوطني لم يكن له شرف المساهمة في استقلال مصر أو خوض معاركها التحررية شأن الحزب الدستوري، فقد أسسه الرئيس السادات ليغطي ردة حكمه في مصر وقراراته في خصخصة القطاع العام، وتهيئة الظروف لعزل الطبقة الوسطى وطبقة العمال عن المساهمة في القرار الاقتصادي، إضافة لإيجاد أنصار للصلح مع إسرائيل الذين يتعذر أن يكونوا سوى من الأغنياء الجدد، أغنياء الصفقات والمستفيدين من النظام وامتيازاته، وقد أعطت السلطة للحزب المقرات والمساعدات المالية، كما هو حال الحزب الدستوري، وفتحت الأبواب أمام أعضائه ليصلوا إلى الوظائف، ويحصلوا على الامتيازات، ويستفيدوا من (فتافيت) ومكتسبات الكبار، وبلغ عدد أعضائه عدة ملايين، وحصل الحزب على الأغلبية الكاسحة من أعضاء مجلس الشعب، ومجلس الشورى، ومجلس الوزراء، والوظائف العليا في الدولة، والقطاع العام (أو بقايا القطاع العام)، واستخدمته السلطة غطاءً شرعياً لأخطائها وخطاياها وآثامها، ولم يتغير الأمر خلال العقود الثلاثة من حكم الرئيس مبارك، بل ازداد الأمر سوءاً، فتسلط الأغنياء الجدد والنهابون والسارقون وأصحاب الصفقات والمدلسون والمنافقون على الحزب والدولة، وصار الحزب وسيلة للغنى غير المشروع (للكبار) ولإيجاد الوظيفة التي يسد راتبها الرمق (للصغار، وكما هو حال الحزب الدستوري، ما ان انتفض الشعب المصري الذي تحولت انتفاضته إلى ثورة، لم نشهد عضواً واحداً يدافع عن الحزب ونظامه، مما اضطر أهل النظام للجوء إلى قوات الأمن لحماية النظام، ثم إلى (البلطجية)، وتلاشى الحزب وذاب أعضاؤه الكبار والصغار في حمأة الثورة، وأمام الجماهير الغاضبة.
إن مَثَلَ الحزب الدستوري التونسي والحزب الوطني المصري ليس مثلاً فريداً من نوعه أو أنه خاصية عربية، فهو في الواقع خاصية عالمية تتلازم مع الأنظمة الشمولية، فقد شهدت أوروبا ظهور سلطة الحزب النازي في ألمانيا والحزب الفاشي في إيطاليا، وفيما بعد شهدت ظهور الأحزاب الشيوعية في بلدان أوروبا الشرقية، ولم يدافع أي من هذه الأحزاب عن نظامه عندما سقط، رغم ملايين المنتسبين إليه، فقد كان عدد المنتسبين للحزب الشيوعي السوفييتي مثلاً عشرين مليون منتسباً، لم يقف أي منهم بوجه يلتسين وعصابته التي لا يتجاوز عددها المئات، والأمر نفسه تكرر في جميع البلدان الاشتراكية السابقة، وفي الوقت نفسه تجاوزت أعداد رجال الأمن والمخابرات والقمع مئات الألوف في هذه البلدان، وجميعهم تلاشوا كذلك عند أول انتفاضة ضد النظام مهما كان عدد المنتفضين أو أهدافهم، ذلك لأن الجميع أي أعضاء هذه الأحزاب وعديد قوى الأمن والمخابرات، ما هم إلا مجموعة من المتكسبين الساعين وراء مصالحهم وامتيازاتهم، التي تعودوا الحصول عليها بدون جهد ولا تضحيات.
لعل الأنظمة العربية الأخرى ذات الحزب الواحد، تأخذ العبر مما جرى في تونس وفي مصر، وتقتنع أن جموع المنافقين وعشرات آلاف المخبرين لا يدافعون عن أحد ولا يحمون نظاماً.
كاتب سوري