نعم المواطنون في إمارة دبي فترة ليست قصيرة من الزمن بمجانية الماء، وكان من أبرز نتائج ذلك زيادة اهتمامهم بالتشجير، وإنشاء الحدائق والمسطحات الخضراء داخل بيوتهم وخارجها، ولكن، ومع إلغاء تلك المجانية، صار كثير منهم يقلبون البصر بين حدائقهم الغناء وبين الفاتورة ذات الأربعة أرقام، ويجدون أنفسهم بين أمرين أحلاهما مر؛ فإما الاستغناء عن تلك الحدائق، أو تقبل تكلفتها العالية بصدر رحب.
الشجرة إذن هي ضحية تسعير الماء للمواطنين في الإمارة، ومع اقتراب فصل الصيف وزيادة استهلاك الماء والكهرباء، سيجد البعض بأن جل مرتباتهم تذهب إلى ديوا، وما تبقى يقسم بين الغاز والبترول والمدارس، ولن يمر وقت طويل قبل أن نرى تلك المسطحات الخضراء الجميلة قد اختفت وحل محلها الرمل أو البلاط.
المنظر الجمالي ليس هو المهم الوحيد في الأمر، فللشجرة فوائدها التي لا تحصى في توفير المناخ الصحي للناس، وكذلك توفير الثمار المفيدة كالتمور والخضار والحمضيات التي يقوم بها البعض، محققة له اكتفاء صحياً ذا قيمة عالية، وفي النهاية فإن خسارة أية رقعة خضراء هي نقطة لصالح التصحر ولا شك.
عندما كان الماء مجانياً لم يكن هناك أي توعية بحسن استخدامه، ولا شك في أن الكثيرين أسرفوا وأساءوا استخدامه وتركوه مهدورا في حدائقهم وأفنيتهم، ثم لما سعر لم تكن هناك أية توعية بمواجهة الوضع الجديد، أظن بأنه في كلتا الحالتين فإن توجيه الناس إلى الزراعة المناسبة وغير المكلفة ضروري، وبلدية دبي الرائدة في مجال الزراعة، والتي تقوم فعلاً بمساعدة الناس بالخبرة والبذور والشتلات، عليها دور في البحث عن حلول للوضع الحالي المكلف، وتوفير بدائل من الأشجار والشجيرات والزهور الأقل احتياجاً للماء، والأكثر تحملاً للبيئة المحلية.
المناطق السكنية للمواطنين تحتاج إلى اهتمام تشجيري من الأساس، لا توجد أية خطة من البلدية حسب ما نشاهد لتشجير الدوارات الداخلية القاحلة في هذه المناطق، بعض هذه الدوارات زحف عليها الرمرام ليحدث نوعا من التوازن البصري في المكان، أتساءل أحياناً لماذا لا تقوم البلدية بالاهتمام بهذه الشجيرة الصحراوية التي تبرعت بتزيين الدوار من تلقاء نفسها؟ كما أنه لا توجد أية خطة لتشجير الطرق الداخلية، مما يساعد على توفير الظل والمظهر الجمالي والبيئة الصحية النقية. الاهتمام منصب على الشوارع الرئيسية فقط، وإذا كان هناك من ينظر إلى ذلك باعتباره ترفاً في الماضي، فإنه لم يعد كذلك اليوم بعد تسعير الماء، وتوقع تراجع دور المواطنين في تشجير مناطقهم.
لا شك في أن ذلك سيشكل بعض العبء المالي على البلدية، ولكن لا يمكننا قياس كل شيء بأسلوب مصرفي بحت، لا يمكننا أن نضبط المصاريف اليوم ونفتح المجال لنتائج بيئية أو صحية أو نفسية سيئة في المستقبل، أبسطها أن يقال: انظروا إلى مناطق المواطنين كيف تبدو قاحلة؟، هناك عامل نفسي هائل يخلقه وجود الشجرة في أي مكان، حتى في المكاتب والأماكن المغلقة، الشجرة لم تعد ترفاً، وإنما حاجة ملحة، لذا نتمنى من البلدية أن تبدأ الاهتمام الحقيقي بهذه المسألة.
قبل سنوات، فوجئنا في المدارس بخطة تقشفية، لأن هناك من اكتشف بأن القطاع المدرسي يكلف الكثير، فماذا فعلوا؟ قلصوا الجهاز الإداري، وجهاز الخدمة الاجتماعية في المدارس، فالمدرسة التي فيها 500 طالب حدد لها إداري واحد عوضاً عن اثنين، وأخصائي اجتماعي واحد عوضاً عن اثنين كذلك، وكان اثنان بالكاد يكفيان، لا شك في أن وفرا ماليا قد تحقق على مدى السنين من وراء ذلك، ولكن هلا سأل واضع الخطة نفسه، عن الأثر التربوي والاجتماعي والسلوكي والنفسي على جيل كامل من جراء ذلك؟ قد تبدو الدائرة شائكة، ولكنها بالمنطق البسيط ليست كذلك، إنها واضحة وضوح الشمس، كل نقص في الخدمات سيكون له تأثيره السيء ولا شك، لذا لا بد من دعم الخطوات التقشفية، بأخرى تخفف من حدتها على الناس.
عوداً على بدء، فإن التوعية يجب أن تكون حاضرة في كل وقت وفي كل مرحلة، قطرة الماء غالية، والشجرة غالية، والحفاظ على مكتسباتنا البيئية والعمرانية والمضي بها قدماً في هذه المدينة الجميلة يجب أن يكون حاضراً.
في الغرب يحتفلون بموسم الكرز وموسم التفاح، ويفتحون المزارع للمارين للجني المجاني من هذه الثمار، وهنا نسي الناس أهم مواسمهم في الصيف؛ موسم جني الرطب، وكنا نعتب وننتظر عودة الفرح الجماعي بموسم كهذا، فإذا بدواعي القلق تجعلنا نتواضع في أمنياتنا!
ولكن، المؤكد أنه بقليل من الاهتمام والتوعية، ومن دون تفريط بثروتنا المائية، نستطيع أن نعيد التفكير في تلك الأمنيات، وأن نواصل عملنا في بسط اللون الأخضر في مدينتنا من دون تراجع أو ارتباك.
كاتبة إماراتية