متابعة ما يجري في العراق من أحداث وما تلقاه من أصداء واستجابات على المستويين الحكومي والشعبي، يثير الكثير من التساؤلات ويسبب في الوقت نفسه الكثير من الإحباط، حتى لمن فُطر على التفاؤل الساذج. فالمشهد السياسي الكئيب في هذا البلد قد يضلل من يتابعه، وقد تنسيه التفاصيل التي تحيق به ما الذي يتابع.

فقد تختلط عليه الأمور فيحسب أنه يتابع مشاهد مسرحية وضع سيناريوهاتها المعقدة والعبثية، الكاتب التشيكي فرانز كافكا. أجواء غرائبية تشعرك بالقشعريرة والوحشة والضياع، أجواء يفقد فيها الإنسان صلاته بالكثير مما هو طبيعي وواقعي وعقلاني، ويتيه في محيط شاسع متلاطم الأمواج، تبتعد شواطئه باستمرار.

الأوضاع في العراق تنذر بالتفجر على محاور متعددة، فهناك الخلافات المزمنة التي ترحل باستمرار بين إقليم كردستان والحكومة المركزية، حول القضايا التي تتعلق بتبعية المناطق المتنازع عليها، وأبرزها قضية كركوك وإصرار القيادات الكردية على حسمها في وقت قريب.

وهناك الخلافات بين الكتلة العراقية والتحالف الوطني الحاكم التي تهدد بتفجير الوزارة، وهناك الخلافات داخل الكتل السياسية الكبيرة التي تهدد بالانفجار، وقد انفجر فعلاً بعضها حين انشق عن التحالف الكردستاني عدد من نوابه ليشكلوا كتلة التغيير، وحين انشق عن ائتلاف العراقية عدد من نوابها ليشكلوا كتلة العراقية البيضاء، وتحولت الكتلتان إلى المعارضة.

ويقترب التحالف الوطني في أجواء السخط الشعبي المتزايد، من التصدع وخروج التيار الصدري، وربما آخرين، من معطفه. وتخرق الاتفاقات بين الأطراف المشاركة في العملية السياسية بشكل فاضح، فقد تم الالتفاف على الاتفاق الذي وضع نهاية لأزمة تشكيل الحكومة، الذي توصل إليه علاوي والمالكي برعاية رئيس إقليم كردستان وضمانته حول ما يتعلق بالمجلس الوطني للسياسات العليا الذي قبر قبل ولادته. وتتطاير التصريحات المتناقضة الصادرة عن نواب ينتمون إلى نفس التكتل أو الحزب أو التيار في الهواء، داخل المجلس النيابي وخارجه، مثيرة المزيد من الحيرة والإرباك وربما بعض السخرية.

وقد زاد الطين بلة إدلاء بعض المسؤولين الكبار بتصريحات لا تتناسب مع المناصب التي يشغلونها في الدولة، فقد صرح رئيس الجمهورية في سياق الاحتفال بمناسبة انتفاضة مدينة السليمانية عام ‬1991، بأن «كركوك قدس كردستان و...»، وهو تصريح خطير تسبب في موجة غضب عارمة على مستويات مختلفة، وذلك لحساسية التشبيه بين كركوك وبين القدس من جهة، وحساسية العلاقات بين الأطراف التي تقارب هذه القضية المعقدة من جهة أخرى.

من جانب آخر فشل المجلس النيابي في التدليل على مصداقيته، خاصة في الجلسة التي استضيف فيها رئيس الوزراء لمساءلته حول ملابسات قيام حكومته بقمع التظاهرات الشعبية السلمية وسقوط عشرات القتلى والمصابين بينهم عدد من الإعلاميين، في الوقت الذي تركزت الشعارات التي رفعها المتظاهرون على مطالب جوهرية مشروعة تتعلق بالخدمات ولقمةِ العيش والبطالة، وهو حق يكفله الدستور. فقد تميعت القضية بشكل مدروس، عبر مداولات وحوارات طغت عليها لغة المجاملة والتخدير والوعود. ولعل من المؤسف في هذا الصدد أن نلحظ أن الأصوات التي حرصت على أن تنطق داخل المجلس النيابي بما نطقت به أمام ناخبيها، قد لا تعجز أصابع اليد الواحدة عن تعدادها.

كل هذا في جانب، والغضبة الجماهيرية على الأوضاع السائدة في جانب آخر، إذ لم تعد الخلافات داخل النخب السياسية وبين بعضها البعض تحظى بالاهتمام لدى الجمهور الواسع كما كان الحال في ما مضى، فقد اكتشف هذا الجمهور الذي يعاني ما لا تعانيه هذه النخب، وينتمي إلى أصول وجذور أخرى لا تنتمي إليها هذه النخب، أن عليه أن يختط لنفسه مساره الخاص، بعيداً كل البعد عن مسارات هذه النخب التي ضللته وغدرت به.

ومن المتوقع في ظل هذه الأوضاع، تصاعد السخط والاستياء الشعبي، سيما أن الحكومة لا تمتلك ما تقدمه من حلول ملموسة في فسحة زمنية قصيرة. فحجم الخراب الذي أحاق بالعراق كبير جداً، ويحتاج إلى سنوات طويلة لإصلاحه، هذا في حالة توافر النوايا الحسنة لذلك، وفي حالة أن يدار الوضع في العراق، على مختلف المستويات، وفق خطة إعادة بناء واضحة المعالم، تنفذها وتشرف عليها كوادر قديرة تتمتع بالكفاءة والنزاهة في مختلف التخصصات، وهو ما لا يتوافر في ظل الوضع القائم.

فعلى مستوى الممارسات الاحتجاجية، يتباعد الشارع العراقي عن المجلس النيابي الذي يمثله من جهة، ويتوحد في الوقت نفسه بعيدا عن التخندق الطائفي والمناطقي والعرقي الضيق، الذي أفرزته العملية السياسية وغذته أطماع ومصالح أمراء الطوائف والمليشيات ومن له مصالح في ذلك من دول الجوار، من جهة أخرى. فالوعي الهش بالممارسات الديمقراطية الذي مورس بشكل أضر بمصالح الجماهير، قد بدأ يتصلب ويتحول إلى أداة حقيقية فعالة للحصول على المطالب المشروعة وحشر الحكومة في زاوية ضيقة. وليس من المستبعد في ظل الأوضاع المتشنجة واستمرار الحكومة في انتهاج سياسة العصا الغليظة، أن يرفع الساخطون سقف مطالبهم ويطرحوا شعار تغيير النظام.

والحقيقة أن الأزمة التي تطل برأسها وتتضخم يوماً بعد آخر، ليست أزمة الحكومة ورئيسها فحسب، بل أزمة قد لا يستطيع طرف من الأطراف المشاركة في العملية السياسية الإفلات من تداعياتها، فقد أسهموا جميعا في صنعها وتضخمها ووصولها إلى ما وصلت إليه.

ومع أن الأحداث المشار إليها في المشهد السياسي العراقي المختل، تضعف وتهدد استقرار النظام الذي تحرص الولايات المتحدة على ترسيخ أركانه، إلا أن ردود أفعالها تثير التساؤل حقاً، فهي بطيئة وباهتة وغير ملحوظة أحياناً، هذا في الوقت الذي شغلت التطورات في دول أخرى في المنطقة، مثل البحرين وليبيا ومصر، جل اهتمامها.. فما هو السر الذي يكمن خلف تجاهلها الظاهري لما يجري على المسرح السياسي العراقي؟