بعد الانتفاضات التي عمت تونس ومصر وليبيا واليمن ودولا عربية أخرى، سارع شباب لبنان إلى التقاط هذه اللحظة التاريخية، فنزلوا إلى الشوارع رافعين شعار: «الشعب اللبناني يريد إسقاط النظام الطائفي». كان الشعار جذابا للشباب اللبناني الذي نزل إلى الشارع تحت المطر، في 27 فبراير 2011، بأعداد ناهزت الألفين، يطالبون بإسقاط النظام الطائفي لأنه العلة الأساسية التي تمنع قيام دولة ديمقراطية عصرية. وعندما جددوا الدعوة للتظاهر بعد أسبوع واحد، امتلأت شواع بيروت بأكثر من ثمانية آلاف شاب وشابة يطالبون بالمواطنة التامة، وإسقاط النظام السياسي الطائفي في لبنان. لا يمكن فهم هذا الشعار الجاذب للشباب اللبناني، غير المرتبط عضويا بكتلتي 8 آذار و14 آذار السياسيتين اللتين تقسمان اللبنانيين وفق تجاذبات يغلب عليها الطابع المذهبي والسياسي معا، إلا على ضوء التطور التاريخي للمسألة الطائفية والنزاعات السياسية في تاريخ لبنان الحديث والمعاصر. فقد عرف لبنان ثلاث مراحل متعاقبة من الطائفية:
الطائفية المستقرة في إطار نظام الملل العثماني، الذي ضمن لزعماء الطوائف موقعا متقدما في الإدارات المحلية، والطائفية المتفجرة في إطار المشروع الاستعماري الأوروبي لتفكيك السلطنة واقتسام ولاياتها، والتي حركت مشاعر الطوائف المحلية لبناء دول عصرية على أساس توزيع السلطات المحلية بين زعماء الطوائف والقبائل، وأخيرا الطائفية المدمرة التي لعبت الدور الأساسي في تفجير لبنان إبان الحرب الأهلية لسنوات 1975ـ1990. وقد أضعفت الطائفية المدمرة وما رافقها من صدامات دموية بين اللبنانيين، ركائز الدولة المركزية وقادت إلى انهيار النظام السياسي ومؤسساته، وتفكك جيشه وقواه العسكرية لصالح هيمنة الميليشيات الطائفية.
بعد تدخلات عربية ودولية متنوعة، استطاع «اتفاق الطائف» في المملكة العربية السعودية عام 1989، أن ينهي خمسة عشر عاما من الحرب الأهلية في لبنان. وصدر الدستور اللبناني الجديد عام 1992 بعد أن أدخلت تعديلات جذرية على الدستور القديم لعام 1926، جاءت غالبيتها لتعزز الانتماء الطائفي والمذهبي على حساب الانتماء الوطني. وترسخت طائفية الرئاسات الثلاث في الدستور، بعد أن كانت عرفا في الميثاق الوطني لعام 1943. وباتت رئاسة الجمهورية لماروني، ورئاسة مجلس النواب لشيعي، ورئاسة الحكومة لسني، وذلك وفق نصوص الدستور الجديد. أوقف اتفاق الطائف الحرب اللبنانية لفترة محدودة، دون أن ينجح في منع تجددها. وأصدرت الطبقة السياسية الحاكمة دستورا جديدا، شدد على أزلية لبنان وعروبته ونظامه الديمقراطي وفق مبادئ نظرية سليمة، لكنه أوكل شؤون الحكم إلى زعماء الطوائف دون سواهم، وفق صيغة طائفية مولدة للنزاعات الدموية بين اللبنانيين. فدخل اللبنانيون في صراع سياسي مستمر، بسبب تشابك الصلاحيات بين ممثلي السلطة. وعمل زعماء الطوائف على توجيه الصراع السياسي وجهة طائفية، تحولت مؤخرا إلى صراع مذهبي داخل الطوائف الإسلامية والمسيحية معا. وأظهر الصراع على السلطة بين زعماء الموالاة والمعارضة، أنهما وجهان لعملة واحدة في التجاذب السياسي الذي عطل نظام الحكم ومصالح جميع اللبنانيين.
فضمن زعماء الطوائف مصالحهم الشخصية أو الحزبية أو الطائفية الضيقة، على حساب بناء الدولة ومؤسساتها وجماهير جميع الطوائف، خاصة فئة الشباب منهم التي تعاني من الفقر، والبطالة، والهجرة القسرية إلى الخارج بأعداد سنوية كبيرة. ليس من شك في أن النظام السياسي الطائفي يشكل صيغة مريحة جدا لزعماء الطوائف، لكنه شل مؤسسات الدولة بصورة كلية أو جزئية، وقاد إلى حدة الصراع المذهبي الذي رسم خطوط تماس سياسية جديدة بين الطوائف. وبات لبنان الوطن أسير تشنجات داخلية لا حصر لها، في ظروف إقليمية ودولية خطيرة جدا، قد تقلب أوضاع منطقة الشرق الأوسط بأكملها.
بيد أن الانتفاضات الشبابية التي غيرت الأوضاع في تونس ومصر بصورة جذرية، دفعت شباب لبنان إلى توجيه نضالهم في الاتجاه الصحيح لإسقاط النظام الطائفي. فاستنفرت على الفور غالبية القوى الطائفية، التي تجندت لمنع تطور هذه الظاهرة الإيجابية وتحولها إلى تيار وطني جامع. وانبرى بعض زعماء الطوائف لتأييد تحرك الشباب، وهم من عتاة السلطة وحماة النظام الطائفي. وكان الهدف من بعض التصريحات المساندة، هو إفشال التحرك الشبابي الجامع وإثارة البلبلة داخل صفوفه.
لكن قادة الشباب اللبناني يدركون جيدا أن مهمتهم ليست سهلة على الإطلاق. فالوظيفة السياسية للطائفية هي حماية النظام السياسي، الذي بني على أسس طائفية. وقد اثبت قدرتها الفائقة على جمع الزعامات الطائفية، حين تفرقهم مرحليا المصالح المتضاربة. كما أثبتت في المقابل قدرتها على تفكيك القوى السياسية أو الشبابية المجتمعة تحت شعار إلغاء الطائفية السياسية، بعد إدخل الشباب في دوامة البحث العقيم عن مقولة «إلغاء الطائفية من النفوس قبل إلغائها من النصوص». مما يسمح بتجدد النظام السياسي وفق توازنات مذهبية جديدة، لإبعاد خطر التغيير الجذري والإصلاح البنيوي.
فتكرر هذا المشهد السياسي بأشكال عدة منذ قيام الدولة اللبنانية المستقلة عام 1943، على قاعدة توازنات طائفية هشة. رفض زعماء الطوائف المسيطرة أي تغيير جذري يطال بنية النظام السياسي في لبنان، ويمنع خلافة الأبناء للآباء في سلسلة من الوراثة السياسية العائلية المستمرة منذ مئات السنين. مما أفشل جميع محاولات الإصلاح الإداري والسياسي في لبنان، رغم ملايين الدولارات التي صرفت على مؤتمرات وندوات علمية قدمت توصيات رصينة لم تنفذ. إن حركة الشباب اللبناني المطالبة بإسقاط النظام السياسي في لبنان، تستحق كل الدعم لأنها تضع القوى الشبابية بصفتها قوى التغيير الجذري، على الطريق السليم. وبقدر ما تتعزز ركائزها على أرض الواقع وتلبي طموحات القوى اللبنانية الشابة لبناء مستقبل أفضل، تبرز مخاوف زعماء الطوائف بصورة أكثر حدة. ختاما، تعلمت القوى الشبابية في لبنان من الانتفاضات العربية المجاورة، أن الشباب هم قوة التغيير الأساسية والأكثر قدرة على إسقاط النظام الطائفي القديم، وبناء نظام سياسي وطني على أنقاضه.
وقد لاقت حركتهم تأييد الرأي العام اللبناني، لأن النخب اللبنانية محبطة، وقد فضلت الانطواء على الذات، أو الهجرة إلى الخارج، أو الارتماء في أحضان سلطة سياسية طائفية متخلفة، همشت أصحاب الكفاءة العلمية من الشباب المتنور والمزود بثقافة عصرية، فاندفعت القوى الشبابية، ذكورا وإناثا، إلى الشوارع بإصرار واضح على مواجهة النظام الطائفي، وصولا إلى إسقاطه، وهم يعرفون جيدا أن مهمتمهم صعبة جدا في بلد تحكمه الوراثة السياسية الطائفية منذ قرون. المعركة ما زالت في بدايتها، وهي تستحق كل الدعم، لأن الشباب اللبناني المنتفض هم الآن طليعة التغيير، كما أن نجاحهم في هذه المهمة الوطنية يحصن المجتمع اللبناني في مواجهة المشروع الاستيطاني الصهيوني.