هل تحقق أميركا تقدماً على صعيد الوظائف؟ لا يحدث ذلك إلا بالكاد. ولا تعتبر هذه هي المسألة الكبرى، التي سوف أبادر إلى الحديث عنها تواً.

تشير بيانات مكتب إحصاءات العمل الأميركي، إلى أن عدد الوظائف الجديدة خلال فبراير الماضي، بلغ ‬192 ألف وظيفة (‬220 ألف وظيفة جديدة في القطاع الخاص وتراجع في عدد موظفي الحكومة)، وإلى انخفاض في المعدل الإجمالي للبطالة من ‬9٪ إلى ‬8,9٪.

يبدو أننا ننطلق في المسار الصحيح، لكن التقدم الذي تم إحرازه أبطأ ما يكون، بحيث أنه لا يقدم منعطفاً حقيقياً على صعيد البطالة. ومن أجل تخفيض معدل البطالة إلى ‬6٪ بحلول عام ‬2014، فإننا بحاجة إلى ‬300 ألف وظيفة جديدة كل شهر، في المدة بين الآن وذلك العام.

في بعض النواحي، كل ما نفعله هو الانتظار. بلغ عدد الأميركيين العاطلين عن العمل ‬13,7 مليون شخص، وهو نفسه تقريباً في شهر يناير، وعدد الذين يعملون بدوام جزئي ويفضلون العمل بدوام كامل، الذي بلغ ‬8,3 ملايين شخص، لم يتغير تقريباً.

وبطرق أخرى، فإننا نتجه إلى الوراء، فلم يعد الملايين من الأميركيين العاطلين عن العمل في دائرة الاهتمام، لأنهم توقفوا عن البحث عن عمل. وتصل النسبة المئوية لقوة العمل الإجمالية، سواء في الوظائف أو من يبحثون بحماس عن فرص عمل، عند أدنى مستوياتها في ‬25 عاما. والمتسربون من سوق العمل، يجعلون معدل البطالة يبدو أفضل بكثير مما هو عليه حقاً. فلو أن حصة الأميركيين الذين يعملون أو يبحثون عن عمل كانت بالمعدل الحالي نفسه، الذي كانت عليه قبل فترة الركود الكبير، فإن معدل البطالة الحالي سوف يكون ‬11,5٪، بدلا من ‬8,9٪.

ولكن المسألة الكبرى المثيرة للقلق بشكل خاص، هي أن معظم الوظائف التي حصلنا عليها، تقدم رواتب أقل من الوظائف التي فقدناها. يظهر تحليل من مشروع قانون العمل الوطني، أن فرص العمل الجديدة التي تم توفيرها منذ فبراير ‬2010 (حوالي ‬1,26 مليون وظيفة) تدفع، في المتوسط، أجوراً أقل بكثير من الـ‬8,9 ملايين وظيفة المفقودة بين يناير ‬2008 وفبراير ‬2010.

كانت أكبر الخسائر خلال فترة الركود الكبير، في الوظائف التي تدفع من ‬19,05 دولارا إلى 4,‬31 دولارا في الساعة. على النقيض من ذلك، كانت أكبر المكاسب خلال العام الماضي، من وظائف تدفع في المتوسط من ‬9,03 دولارات إلى ‬12,19 دولارا في الساعة. بعبارة أخرى، فإن الأخبار البارزة ليست العودة البطيئة للوظائف، وإنما التراجع في الرواتب.

على مدار عدة سنوات حتى الآن، ألقى اقتصاديون متحفظون باللوم في ارتفاع معدلات البطالة، على أساس الحقيقة المفترضة القائلة بأن الكثير من الأميركيين وضعوا تقييما لأنفسهم، يبعدهم عن سوق الوظائف العالمية (التكنولوجيا المتقدمة). لذلك فلو كنا نريد المزيد من الوظائف، كما يقولون، فسوف نحتاج إلى تخفيضات في الأجور والامتيازات، وهذا هو بالضبط ما كان يقوم به الأميركيون.

طالب أصحاب الأعمال بتنازلات في الأجور والامتيازات من العمال النقابيين لديهم، وعادة ما يحصلون عليها. تعاود ديترويت توفير وظائف في قطاع السيارات مرة أخرى، لكن المعينين الجدد يحصلون على حوالي نصف الأجر الذي كان يحصل عليه عمال صناعة السيارات من قبل، ويحصل عمال شركات الطيران على ‬30٪ إلى ‬50٪ أقل مما كانوا يحصلون عليه منذ سنوات.. وهلم جرا.

يقول المحافظون إن هذا ليس كافياً، ولهذا السبب يجب القضاء على النقابات، وأن هذا هو السبب في أن بعض المحافظين يسعون إلى إلغاء القوانين التي تطلب من العمال أن يصبحوا أعضاء دافعي رسوم، من أجل الحصول على وظائف معينة. ومن ثم، فإن المواجهات حول مستقبل النقابات العمالية، لا سيما في ولايات الغرب، هي مع الحكام المنتمين إلى الحزب الجمهوري.

وقد اضطر ملايين العمال غير النقابيين أيضاً إلى القبول بتخفيضات في الأجور والامتيازات، للاحتفاظ بوظائفهم فقط. وتم خفض الفوائد الصحية لهم، وخفض مساهماتهم في معاش صاحب العمل بشكل كبير، أما أجورهم فقد تم تخفيضها أو تجميدها. وتم الاستغناء عن ملايين العمال في القطاع الخاص، ثم أعيد تعيينهم كعمال بعقود للقيام بالعمل نفسه الذي كانوا يقومون به من قبل، ولكن هذه المرة دون أي امتيازات أو ضمان وظيفي.

وينبغي النظر إلى الهجوم الحالي على عمال القطاع العام، في ضوء ذلك. والاتهام الموجه إليهم هو أنهم يحصلون الآن على أجور وحزم امتيازات، أكثر سخاء من نظرائهم في القطاع الخاص. وهذا ليس صحيحا من ناحية الأجر إذا لاحظتم مستوى التعليم، ولكنه لم يكن صحيحاً أيضا على جانب الامتيازات، حتى تهوي امتيازات القطاع الخاص. وفي الوقت نفسه، على امتداد أميركا، فإن العاملين في القطاع العام يجري منحهم «إجازات»، وهي كلمة ملطفة للتعبير عن عدم الحصول على راتب لمدة أسابيع في المرة الواحدة. وبهذا المعدل، فإن معدل البطالة في أميركا سيستمر في الانحدار، وكذلك الأمر بالنسبة للأجور والفوائد لمعظم الأميركيين.

لقد أدرك الاقتصاديون المحافظون الأمر بشكل خاطئ، فالمشكلة الأساسية ليست في أن العديد من الأميركيين قيّموا أنفسهم بما يخرجهم من سوق العمل العالمية في التكنولوجيا المتقدمة، وإنما المسألة هي أنهم سوف يحصلون على حصة تزداد ضآلة من كعكة الوظائف الأميركية.