بدأت الخميس الماضي في مجلس النواب الأميركي، جلسات استماع يذكرك خطابها بمكارثية الخمسينات، ولكنها هذه المرة موجهة ضد المسلمين في أميركا. وبانعقادها تأخذ حملة العداء للمسلمين طابعا رسميا، من خلال دخولها إحدى مؤسسات صنع القرار المهمة.

فقد قررت لجنة الأمن الوطني في مجلس النواب عقد جلسات استماع لمناقشة وضع المسلمين الأميركيين، ومدى انتشار التطرف الديني في أوساطهم. وهو ما كان النائب الجمهوري بيتر كنغ قد أعلن عنه، منذ أن تبوأ حزبه مقاعد الأغلبية في المجلس بعد انتخابات نوفمبر الماضي. وبيتر كينغ الذي تولى رئاسة لجنة الأمن الوطني، معروف بمواقفه المعادية للمسلمين، فهو من أنصار وضع المسلمين الأميركيين تحت الرقابة المكثفة، واختراق تجمعاتهم أمنيا بشكل دائم، وهو تحدث في مناسبات كثيرة عن «التهديد الذي يأتي من المساجد في أميركا».

وجلسات الاستماع التي يعقدها بيتر كنغ تحمل بالفعل ملامح المكارثية، فهي أولا انعقدت تحت عنوان دال هو «مدى التحول للراديكالية بين المسلمين الأميركيين وموقف تلك الجماعة من ذلك». فلجنة الأمن الوطني التي تقع ضمن اختصاصها مكافحة الإرهاب، اعتبرت أن تلك المكافحة تبدأ من الداخل الأميركي، عبر وضع أقلية أميركية كاملة بكل أفرادها تحت المجهر، وهي تبدأ في ذلك من افتراضات وأحكام مسبقة. فكما هو واضح من العنوان، فإن جلسات الاستماع مبنية على قناعة بأن هناك تطرفا واسعا بين المسلمين الأميركيين، وأنهم لا يتعاونون بالدرجة الكافية مع الجهات المعنية لملاحقة المتطرفين والإرهابيين منهم. باختصار؛ يتم التعامل مع المسلمين الأميركيين باعتبارهم طابورا خامسا، إلى أن يثبت العكس، وتلك في الواقع هي جوهر المكارثية.

والطريقة التي أديرت بها الجولة الأولى من جلسات الاستماع، أفصحت عن الكثير مما يدور في أذهان من أرادوا انعقادها. فالمعروف أن من أهداف جلسات الاستماع في الكونغرس، تشكيل الرأي العام وتوجيهه وجهة بعينها. ومن المعروف أيضا أن رئيس اللجنة ومعاونيه، هم الذين يختارون الشهود الذين يتحدثون في تلك الجلسات، بينما يحق لزعيم الأقلية في اللجنة دعوة بعضهم. لذلك قل لي من يشهد أمام الكونغرس، أقل لك الهدف من انعقاد الجلسات أصلا.

وبالنسبة لهذه الجلسات تحديدا، فلأن الموضوع الذي اجتمعت لمناقشته كان مدى تعاون الأميركيين المسلمين مع الجهات المعنية بمكافحة الإرهاب، فإن المنطقي أن يكون الشهود من قيادات منظمات المسلمين الأميركيين ومسؤولين في الجهات الحكومية المعنية بمكافحة الإرهاب. لكن المنطقي شيء وما حدث شيء آخر تماما. فالجمهوريون دعوا للشهادة ثلاثة أشخاص، اثنان منهم انخرط ابناهما الشابان في جماعات إرهابية، وشاركا في عملياتها، والثالث طبيب مسلم يدير منظمة صغيرة، بينما تم تجاهل كل المنظمات الكبرى للمسلمين الأميركيين.

وبينما تمثل قصة الوالدين الذين فقدا ولديهما اللذين انخرطا في منظمات إرهابية، حكاية مريرة تستحق أن تروى، إلا أنها تظل تجربة خاصة لا تنطبق على عموم المسلمين الأميركيين، ولا يمكن استخدامها وحدها لتحليل أوضاعهم. لكن الأهم من ذلك والأخطر هو اختيار الشاهد الثالث. فالطبيب المسلم ـ ويدعى زهدي جاسر ـ لا يمثل في الواقع سوى نفسه، ولا تعبر مواقفه عن أغلبية المسلمين الأميركيين. فعلاقاته كلها تدور في فلك المحافظين الجدد، وهو يعمل بالتعاون مع الأكثر فجاجة وعنصرية منهم، الذين ينفثون سموم الكراهية تجاه الإسلام والمسلمين. فهو على سبيل المثال على علاقة وثيقة بفرانك جافني، الصهيوني المعروف بمواقفه العنصرية تجاه المسلمين، والتي أدت في الحقيقة إلى نفور الكثيرين منه، بمن في ذلك بعض رموز اليمين الأميركي نفسه.

وقد كان زهدي جاسر هو النجم الأساسي في الفيلم الوثائقي الشهير «الجهاد الثالث»، الذي ادعى وجود طابور خامس من المتطرفين المسلمين الأميركيين، اخترق أميركا من أجل بناء دولة دينية إسلامية. وقد استخدم الفيلم على نطاق واسع من جانب جافني والآلة الضخمة التي تعمل من أجل تحويل الإسلام نفسه، وليس الإرهاب، عدوا لأميركا. وهم استخدموه للترويج لفكرة مؤداها أن منظمات الأميركيين المسلمين كلها، تعمل من أجل تعطيل الدستور الأميركي وإنشاء الخلافة الإسلامية على أنقاضه. وقد تعاون زهدي جاسر أيضا مع رئيس مجلس النواب الجمهوري السابق نيوت غينغرتش، الذي ينوي الترشح للرئاسة ويشن منذ فترة حملة منظمة تستهدف الشريعة الإسلامية ذاتها، لا الإرهابيين ولا حتى المتطرفين المسلمين.

غير أن جلسات الاستماع تلك، رغم كل ما تقدم، حملت أنباء طيبة في ظني، تمثلت في موقف الديمقراطيين العلني، ليس فقط الرافض للمنطق الذي قامت عليه الجلسات وطريقة اختيار الشهود، وإنما تأكيدهم على أن ما جرى يمثل انتهاكا للدستور الأميركي ذاته. فالأعضاء الديمقراطيون في اللجنة أعدوا أنفسهم جيدا، فأتوا بأحد رجال الأمن الذي دافع بقوة من خلال خبرته المهنية، عن المسلمين الأميركيين، وقال صراحة إن كل الأفكار المسبقة التي بنيت عليها جلسات الاستماع محض افتراءات، حيث يساعد المسلمون الأميركيون كغيرهم من الأميركيين، في الكشف عن العمليات الإرهابية. أما النواب الديمقراطيون أنفسهم فقد وجهوا انتقادات لاذعة لزملائهم الجمهوريين، واتهموهم بالمكارثية والتحيز، ودعوا زميلهم النائب المسلم كيث أليسون للشهادة، وهو الذي ألقى شهادة مؤثرة بكى في نهايتها رغما عنه، فكان لها تأثيرها هي الأخرى على الرأي العام.

وما يجري مع المسلمين الأميركيين اليوم، جرى لأقليات أخرى سبقتهم. فما من أقلية وطئت أقدامها الأرض الأميركية، إلا وتعرضت للاضطهاد. ومفتاح المقاومة بالنسبة للمسلمين الأميركيين، هو مزيد من الاندماج في المجتمع الأميركي، وربط معاناتهم بمعاناة الأقليات الأخرى، والدفاع عن حقوقهم في ائتلافات واسعة تضمهم إلى جانب أقليات أخرى، عانت أو لا تزال تعاني من نفس ما يعانونه اليوم.