بعد المهرجان الشعبي الحاشد الذي أقامته حركة 14 آذار في ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري، والذي أعاد إليها حضورها الشعبي، وأكد وجودها رقماً سياسياً غير قابل للتجاوز، كان السؤال الذي يتداوله جميع الأوساط هو: ماذا بعد؟ كيف ستسلك هذه الحالة الجماهيرية في الأيام والشهور المقبلة؟ كيف ستوظف جماهيريتها الكبيرة؟ وما التحديات التي تواجهها؟ من خلال الاستقراء لدلالات المهرجان الأكبر في تاريخ 14 آذار، يمكن استعراض عدد من التحديات، أبرزها:
كيف ستنجح حركة 14 آذار في «اختراق» الوسط الشيعي الذي ما زال ملتفاً حول 8 آذار برمزيها الكبيرين: «أمل» و«حزب الله»؟ هل ثمة شعارات جديدة يمكن أن تجتذب هذا الجمهور الكبير الذي يشكل نصف البلاد؟ ألا يشكل شعار «لا للسلاح» الذي رفعته حركة 14 آذار عنوانا عريضاً لتحركها السياسي، ضربا من ضروب الاستفزاز لجمهور «حزب الله» الذي يرفع السلاح إلى مقام القداسة، ويرهن نفوذ الطائفة بانتشار السلاح وقدرته على منح امتيازات لم تحصل عليها مرة في تاريخ لبنان الحديث؟
من المعلوم أن حركة 14 آذار أقامت مجموعة صلات مع وجوه ومثقفين من الطائفة الشيعية، كان لهم حضور مؤثر في مهرجانات 14 آذار (علي الأمين، هاني فحص، الوزيران السابقان محمد عبد اللطيف بيضون، وباسم السبع)، لكن هذه الصلات بقيت على مستوى النخب السياسية والدينية، فيما القاعدة الشيعية بقيت خاضعة لحركة «أمل» و«حزب الله»، سواء بسبب التحريض السياسي والمذهبي، أو بسبب شبكة المصالح المتنوعة، أو بسبب المنافع المالية الهائلة لهذين التنظيمين الكبيرين، إضافة إلى قدرة حركة «أمل» على التوظيف الاستثنائي في الدولة ومرافقها ومؤسساتها.
فهل تتوصل حركة 14 آذار إلى كسر هذه المصادرة الكبيرة التي تمارسها حركة «أمل» و«حزب الله» لطائفة مؤسسة في الكيان اللبناني، وتشكل رقما ثابتاً في أية معادلة سياسية؟
التحدي الثاني عنوانه كيفية إعادة التواصل بين 14 آذار والجمهور الدرزي الواسع، الذي يمارس النائب وليد جنبلاط نفوذاً هائلاً وسطه. فالنائب جنبلاط بعد انسلاخه عن حركة 14 آذار، أفقد الحركة مخزونها الدرزي من الجبل الذي قاطع مهرجانها، رغم حضور النائب مروان حمادة الذي كانت له كلمة في المهرجان ألغيت لاحقا، ولم يتم استبدالها بأي خطيب من الطائفة الدرزية. وخسارة 14 آذار للنائب وليد جنبلاط ليست هامشية ولا تفصيلية، ذلك أن الحضور السابق للنائب جنبلاط في صفوف 14 آذار، كان يحول دون ان تقتصر على الطائفة السنية والجمهور المسيحي المؤيد للقوات اللبنانية وحزب الكتائب، إضافة إلى بعض المستقلين كالنائب والوزير بطرس حرب.
التحدي الثالث والأكبر عنوانه التساؤل؛ كيف ستتم محاصرة سلاح «حزب الله»؟ بواسطة أية قوة سياسية أو عسكرية، في ظل امتناع الجيش اللبناني عن مواجهة الحزب؟ وما هي استراتيجية العلاقة مستقبلا مع حزب الله، بعدما تم نسف جميع جسور التواصل بين 14 آذار والحزب؟
التحدي الرابع عنوانه طبيعة العلاقة المستقبلية بين تجمع 14 آذار والحكومة، فمن الملاحظ أن جمهوراً كبيراً من الشمال قاطع المهرجان، بسبب ولائه للرئيس نجيب ميقاتي والنائب محمد الصفدي، بحيث اقتصر الوجود الشمالي بشكل أساسي على عكار والضنية وبشري.
هل ثمة إمكانية لردم الفجوة مع الرئيس نجيب ميقاتي، الذي نال حديثاً تفويضاً من المجلس الوزاري لدول مجلس التعاون الخليجي؟
التحدي الخامس يتمثل في نمط العلاقة بين القوى السياسية المختلفة، بعد انقطاع الصلة مع الرئيس نبيه بري، وانقطاعها في الاصل مع العماد ميشال عون؟
كيف ستستعاد هيئة الحوار الوطني برئاسة رئيس الجمهورية بعد وصول العلاقات السياسية إلى مرحلة القطيعة المعلنة بين 8 آذار و14 اذار؟ وهل هناك شكل آخر من أشكال التواصل الوطني في ظل حكومة ستكون من لون سياسي واحد (بعد امتناع حركة 14 آذار عن المشاركة) ومجلس نيابي معطل ومشلول وهيئة حوار معلقة اجتماعاتها؟ هل سيكون هناك محاولة سعودية أو قطرية لاستئناف الصلات بين المكونات السياسية والطائفية اللبنانية؟
التحدي الخامس يتمثل في غياب أي برنامج اقتصادي ـ اجتماعي لدى حركة 14 اذار في لحظة تتسم بالاحتقان الاجتماعي المتزايد وارتفاع المطالب الاجتماعية النقابية منها والطلابية؟
معلوم ان 14 اذار وضعت تصوراً مكتوبا لبرنامج اقتصادي اجتماعي خرجت به على اللبنانيين في السنة الماضية، لكن اية متابعة لهذا البرنامج لم تحصل ولا أطلقت 14 اذار حركة نضال مطلبي تجيب على الحاجات المتزايدة للفئات الشعبية من محدودي الدخل وفقراء المدن والريف.
ان اقتصار تحرك 14 اذار على الشعارات السياسية يشكل مقتلا لها، ويضعف زخمها الشعبي خصوصا لدى الفئات الهامشية اجتماعيا التي تفتقد إلى من يرفع الصوت دفاعا عن مصالحها.
التحدي الأخير عنوانه المحكمة الدولية: كيف ستطوق حركة 14 آذار الارتجاج السياسي والطائفي الذي سيحدثه القرار الظني الذي سيتهم عناصر من «حزب الله» باغتيال الرئيس رفيق الحريري؟ ما هي شبكة الأمان الوطنية التي ستحمي البلاد من خطر الوقوع في الفتنة السنية ؟ الشيعية؟ اي دور سيكون للدول العربية في منع انزلاق لبنان إلى مهاوي الفتنة التي يخشاها الجميع؟
لقد تجاوز لبنان عنوانا كان يرتقبه كثيرون بقلق وتوجس، عنوانه مهرجان الأمس، لكن الأخطار تبدأ اليوم، والتساؤلات تزداد اليوم.