لم تتبلور بعد الأوضاع النظامية النهائية في الدول العربية، التي اجتاحتها موجة الغضب والثورة المتفاعلة منذ بداية 2011. ففي مصر وتونس يتحدثون عن مرحلة انتقالية، تكثر الاجتهادات في تحديد مآلاتها والمشهد الذي ستفضي إليه. وفي اليمن وليبيا ما زال الكر والفر جاريا بدرجة متفاوتة من العنف بين المنتفضين والنظم، ويصعب تبصر الكيفية التي ستؤول إليها الأمور، أهو انتصار أحد طرفي النزاع أم التفاوض وصولا إلى صيغة ما، أم الانحدار إلى هاوية فوضى الحرب الأهلية ودرك الصوملة، أم أي شيء آخر؟ وفي أقطار أخرى تثور التظاهرات المطلبية الحاشدة وتخبو على نحو متقطع، ولا يدري أحد ما تخبئه الأيام التالية من تطورات. ومع ذلك سارع بعض المنظرين الغربيين إلى بسط توقعاتهم وقراءاتهم السلبية المقبضة تجاه المطلب الرئيسي المشترك لهذا المد الشعبي؛ المتعلق بدمقرطة الحياة السياسية. لقد قطع أحدهم بأن «.. الديمقراطية ليست المحطة الأخيرة لهذه الانتفاضات..»، وقال آخر بأن «.. الحركات الشعبوية الانقلابية الصاخبة، تبدو مؤهلة لطي نظم قديمة أو دفنها بالكامل، ولكن لا ضمانة لأن تكون البدائل نظما ديمقراطية...».
في إطار تسويغ هذه الأحكام الاستشرافية ونظائرها، تساق مفردات الصورة الكلاسيكية السلبية عن الشخصية العربية الإسلامية، التي صاغتها أقلام غربية غير نزيهة، مشبعة بكراهية الشرق العربي الإسلامي بمعناه الحضاري العام، وأدبيات أخرى صهيونية أو متصهينة مؤيدة لإسرائيل.. من ذلك كتابات برنارد لويس، الذي أشاع على مدى أكثر من نصف قرن، أن الإسلام وثقافتة السائدة في العالم العربي، لا يحمل شروط التطور الديمقراطي. والحق أن الفضاء الفكري لا يخلو من تقييمات مشابهة تصدر عن بعض أهل البيت العربي، استنادا إلى صفحات وسوابق من التاريخ القريب نسبيا. فالمنطقة العربية شهدت منذ منتصف القرن الماضي، انتفاضات وثورات فشلت جميعها في تقعيد نظم ديمقراطية أو حتى شبه ديمقراطية، وآبت إما إلى حكم العسكر أو إلى دكتاتوريات تسلطية مشتركة بين عسكر متعجرفين ومدنيين فاسدين.. وفي دول بعينها ظهرت صيغ هجينة مبتدعة يصعب توصيفها.. إذا أعرضنا مؤقتا عن هذه المداخلات النابعة عن أراجيف مغرضة أو عن مخاوف مشروعة، والتفتنا إلى ما يجري في مضامير الواقع، وجدنا ما يدعو إلى الاطمئنان. فالقوى المنتفضة الثائرة، اتخذت من التحول الديمقراطي هدفا رائدا لبوصلتها في الحال والاستقبال. وتدل النذر الأولى على إخفاق كافة محاولات التلفيق والالتفاف على هذه القوى وحرف بوصلتها عن هذا الهدف.
ونحسب أن شبابية الفئات القائمة بالحراك الثوري أو الرائدة له، تشكل ضمانة صلبة لعدم النكوص إلى الوراء، كونها فئات مشبعة ليس فقط بتكنولوجيا العصر وأدواته، وإنما هي أيضا على دراية بقيمة حكم القانون، والحريات السياسية، والعدالة وتكافؤ الفرص، والشفافية ومحاربة الفساد والمفسدين، والتمرد على الأبوية والسلطوية وتوابعهما، وثقافة التسامح وضرورة الحوار بين الرأي والرأي الآخر..
لا نعتقد أن الحالة العربية الاستثنائية الراهنة موضوعة تحت مباضع عمليات التوقع والاستشراف الغربية عن غيرة أو خوف من إفلات لحظة تبدو مواتية للقطيعة مع عهود الدكتاتوريات والسلطويات، والعبور العظيم إلى عالم الديمقراطيات والحريات.. الأمر وما فيه أن الغرب على جانبي الأطلسي، وإسرائيل في قلب العالم العربي، منشغلون باستطلاع آفاق هذه الحالة وتداعياتها على مصالحهم واستراتيجياتهم في الحال والاستقبال. وقد كتب ليو جونمين نائب مدير معهد الشرق الأوسط للدراسات الدولية في شنغهاي (صحيفة غلوبال تايمز الصينية 23/2/2011) أن «.. اهتمام الولايات المتحدة وحلفائها بما يدور في العالم العربي، إنما ينصب على توجيه الثورات إلى المسار الغربي. وإذا فشل هذا الجهد فسيعود الغربيون إلى البحث عن حلفاء يحافظون على مصالحهم...».
هذا هو بيت القصيد في السجال الغربي الموصول بعرب الغضب والثورة. ولمن يفضل الاقتضاب، ندفع بأن الغرب معني باستقرار مصالحه الاقتصادية والنفطية والاستراتيجية والإسرائيلية، بغض النظر عن مآلات الحكم والسياسة في الدول العربية، ديمقراطية كانت أم غير ذلك. لقد فوجئ الغرب بأن العرب ما زالت لديهم طاقة المبادرة للتعبير والتغيير، وهو يسعى جاهدا للتغلغل على خطوط هذه المفاجأة، ورسم مداراتها المستقبلية وفقا لأهوائه. ومما يثير الأسى أن بعضا من النظم العربية المطاردة بالأشواق الشعبية للتحول الديمقراطي، تسهل من حيث تدري أو لا تدري تحقيق هذه الغاية، تحت منطق أنا أو الطوفان. نستشعر ذلك مثلا في معنى ومغزى خطاب النظام الذي يعزف على أوتار تفزيع الخلق، الغرب بخاصة، من أن البديل العتيد لغيابه، هو حضور الإرهاب وتنظيم القاعدة وقوى التطرف الإسلامي وتهديد الطاقة النفطية وتدفق موجات المهاجرين إلى شواطئ المتوسط الأوروبية، بلا حدود!