من نافلة القول أن البحث العلمي في البلاد العربية ضعيف للغاية وبات في حكم البديهيات، ومن المعلوم بالضرورة عدم وجود تواصل بين الباحثين والمعنيين بالاستفادة من مخرجات أبحاثهم من ناحية، ومتخذي القرار من ناحية أخرى. وأضيف بعدا آخر، وهو أن العلاقة بين المعاهد العلمية والجامعات ومراكز البحث العلمي ووزارته، تكاد تكون منعدمة للدرجة التي تجعل كلاً منها يعمل بطريقة الجزر المنعزلة، البعيدة عن الرؤية الاستراتيجية الشاملة التي توحد الرؤى وتحدد الأولويات، مما كان له مردود سلبي على حالة البحث العلمي في بلادنا العربية، التي هي أشد ما تكون حاجة إلى النظر للبحث العلمي بعين الاعتبار، باعتباره قاطرة التقدم والانتقال ببلادنا من حال المستهلك إلى المنتج والمبدع في شتى مجالات المعرفة، وليس ذلك عنا ببعيد.

وهذا الحال الذي طالما تعرضنا له بالتوصيف، نابع من مجموعة من العوامل بات من الضروري النظر إليها لا لمعرفتها فقط وتشخيص الداء، ولكن للسعي لإزالتها كلية وإيجاد الأسباب المؤدية إلى تفعيل البحث العلمي ونتائجه في أوطاننا، وإلا فإن البديل السهل لن يكون في صالحنا أو صالح الأجيال القادمة، أو حتى الوظائف المعتبرة التي يجب أن تتعهدها مؤسساتنا على اختلاف أنواعها. ومن تلك الأسباب المعيقة لتقدم البحث العلمي:

أولاً؛ عدم وجود دعم مادي حقيقي للبحث العلمي، وإن وجد فمن باب ذر الرماد في العيون، أو من باب التنويه بأن هناك مخصصات للبحث العلمي، والتي تعتبر الباب الأول المرشح للانتقاص منه والانقضاض عليه عند أول أزمة أو حاجة لتخفيض الإنفاق، باعتباره ترفا لا نحتاج إليه إلا في زمن الوفرة، رغم أن الحاجة إليه تكون أشد في وقت المحن، فضلاً عن كل الأوقات.

وحسب إحصائيات منظمة اليونسكو، فقد خصصت الدول العربية مجتمعة للبحث العلمي ‬1,7 مليار، ما نسبته ‬0,3٪ من الناتج القومي الإجمالي، بينما خصصت دول جنوب شرق آسيا ما نسبته ‬2,7٪،

وأما إسرائيل فقد خصصت ‬6,1 مليارات دولار، أي ما نسبته ‬4,7٪ من ناتجها القومي الإجمالي، وهو مبلغ يفوق ما تخصصه كل الدول العربية مجتمعة بنحو ثلاث مرات ونصف المرة، ممثلة بذلك أعلى نسبة في العالم.

وبالنسبة لعدد الباحثين العلميين لكل مليون شخص من السكان، فإن العالم العربي يملك ‬136 باحثا لكل مليون مواطن، مقابل ‬1395 عالماً في إسرائيل لكل مليون من سكانها، بينما يصل الرقم في تركيا إلى ‬300 عالم، ويصل في جنوب إفريقيا إلى ‬192، أما في اليابان فالرقم هو ‬5 آلاف باحث، وفي روسيا ‬3415، وفي الاتحاد الأوروبي ‬2439، أما أميركا فتملك ‬4374 عالماً لكل مليون مواطن.

وهنا لا يجب إغفال الدور الذي يجب أن تقوم به المؤسسات الخاصة في دفع عجلة البحث العلمي الوطنية

للدوران بإسهاماتها المادية، بدلاً من الاستعانة بشكل دائم بمراكز البحوث الأجنبية لدراسة مشروعاتها وتقييمها وتقديم المشورة، والتي تغفل أبعادا خاصة بطبيعة مجتمعاتنا وظروفها التي لا تغيب عن العقول الوطنية. فالدراسات العلمية مهما كانت احترافيتها، في يقيني ينبغي ألا تتم بمعزل عن واقع المجتمع ومنظومته السلوكية التي تحدد إلى حد كبير قبوله أو رفضه لنتائجها، وهو ما يسمى بأخلاقيات البحث العلمي.

ثانياً؛ غياب الثقة أو الإيمان الحقيقي في بعض البلاد العربية، في أن مخرجات البحث العلمي قادرة على وضع خارطة طريق للخروج بمجتمعاتنا من وهدة المشكلات المحيطة بها من كل جانب، ووضع أقدامها على الطريق الصحيح للتغلب على كافة العقبات، وكأن البحث العلمي معني بوضع مجموعة من الأطر التنظيرية الفلسفية غير القابلة للتطبيق على أرض الواقع، هذا من ناحية. وعلى الجانب الآخر هناك ثقة غائبة في قدرات الكفاءات الوطنية على التعامل مع العلوم الحديثة وتقنياتها، بشكل تكون محصلته ذات اعتبار مجتمعي، واستسهال اللجوء إلى المراكز الأجنبية والإيمان التام بما تفرزه من نتائج مهما كانت قيمتها الحقيقية، على الرغم من أن الكثير من هذه المراكز يعتمد علي أساتذة وباحثين من دولنا العربية، وهذا ما حدث مع الكثير من أعضاء هيئة التدريس العرب في الجامعات بدولتنا، الذين تتم الاستعانة بهم في كافة مراكز البحث العالمية وهم بين ظهرانينا.

ثالثاً؛ الدور الغائب للجامعات ومؤسسات التعليم العالي، والذي نتج عن ضعف العلاقة التي تربط جامعاتنا بمجتمعاتها، مما جعل مشكلات المجتمع لا تصل في كل الأحيان إلى الجامعة، كما أن كثيرا من نتائج البحوث التي تجري في الجامعة لا تجد طريقها إلى التطبيق العملي، ومحطتها النهائية هي أرفف المكتبة باعتبارها مجرد أدوات للترقي في السلم الجامعي، مما يجعلنا نتساءل عن دور الجامعة المفقود في تسويق البحث العلمي، خاصة أننا لا يمكن أن نغفل نظرة بعض باحثيها الاستعلائية لقضايا مجتمعاتهم، والتي تفضي بهم في نهاية المطاف إلى طرح موضوعات بعيدة عن القضايا الملحة التي يعاني منها المجتمع أو التي تضع حلولاً فورية لمعاناة الناس. وعدم اقتناع مختلف المؤسسات بجدوى مساهمة الجامعات البحثية ومخرجاتها في تغيير الواقع، مصدره أن التقدم التكنولوجي الذي تتمتع به مؤسسات الإنتاج، يفوق أحيانا المستوى الذي يمكن أن تواكبه الجامعات من أدوات بحثية، وهذا يفرض تحديا أمام الجامعات للبحث والتطوير والمتابعة والتقدم دائما خطوة إلى الأمام.

إن أهم مصادر قوة الأوطان ومناعتها الحقيقية وثروتها التي لا تنضب، بل تتجدد وتنمو وتتجذر، هو عقول أبنائها المنتجة للمعرفة والممسكة بأدواتها، والقادرة على توظيف مخرجاتها في إطار بيئة إبداع علمي ومناخ مجتمعي يعتبرها ويقدرها.

لذا فنحن بحاجة إلى سياسة جديدة للبحث العلمي، تسمح بتفجير الطاقات وتمتلك رؤية محددة تضع خارطة طريق تنهض بأمتنا، من خلال صياغة جديدة لقيم مجتمعية تستنفر طاقات أبنائنا وتثق بها وتدفعها، وتنظر إلى أوضاعها نظرة متعمقة تقوم على التشابك الخلاق بين المراكز والمؤسسات العلمية المعنية، لترتبط مخرجاتها بخدمة واقع مجتمعي، من خلال قيام الجامعات برفد مواقع الإنتاج بما تحتاجه من طاقات بشرية مبدعة قادرة على البحث، لتمثل في النهاية عقد النمو وحلقات متتالية دائبة الحركة، والتي لا محالة سوف تنتج فكرا عالميا في رؤيته، محليا في نتائجه، ملتصقا ببيئته.