منذ اندلاع الثورات العربية في القارة الإفريقية، والشاهد يقول إن الشعب يصنع ثورته، ولسان حال المتابع يردد أنه «عاش وشاف ثورات»، ولم يختلف اثنان على أن المد الجماهيري الشعبي حدد ملامح وطبيعة كل ثورة على حدة، سواء في تونس أو مصر أو في ليبيا. فالثورة واقعيا تكتسب شرعيتها من خلال قيام الأغلبية بمحاولة تغيير النظام القائم أو الأمر الواقع، سواء من حكم فاسد أو استعمار، وقدرتهم على استمالة أفراد من النظام لإحداث الفارق في هذه الشرعية، وإعطائها زخما سياسيا في مواجهة شرعية زائلة.
ورغم تحقق هذه العوامل في الثورة الليبية، التي حققت إجماعا دوليا وعربيا غير مسبوق، دل على فشل نظام العقيد معمر القذافي وفقدانه لشرعيته، إلا أن بعض وسائل الإعلام العربية لا تزال تعاني من «شيزوفرينيا» فاضحة لا نعرف كيف نفسرها. ففي الوقت الذي تسمي الثوار «بالمتمردين»، تطلق عليهم في وقت آخر «المحتجين»، وبعضها يؤرخ لهذه المرحلة الدقيقة في تاريخ ليبيا بوصفهم «مناوئين لنظام القذافي»، أما في أفضل الحالات فيطلق عليهم لقب المعارضين! ولا يخفى على القارئ أن كل مصطلح ينطوي على معنى يختلف جذريا عن معنى المصطلح الآخر، بل إن توظيف هذا المصطلح تحديدا يحمل مغزى يعبر عن موقف ما، سواء كان صريحا أو متواريا، ويقدم في ذات الوقت حالة من التذبذب في الدعم المعنوي من قبل هذه الوسائل، خاصة في هذه المرحلة الحرجة التي تحتم على العرب الوقوف إلى جانب رغبة الغالبية الثائرة. ومن المعيب أن نلمس تبدل حسابات المكسب والخسارة باكرا في هذه الوسائل التي أرهقها غياب المد المادي لدولارات نظام القذافي، فطفقت تبحث عن خط رجعة وكخطوة استباقية في ما لو خمدت ثورة هذا الشعب على يد الطاغية.
الحالة الليبية في الإعلام العربي تكشف إلى أي مدى يخضع هذا الإعلام والقائمون عليه للأهواء والتربح، ناهيك عن تبنيها أجندات تخدم هذا النظام أو ذاك، ولا يزال هذا الإعلام مدانا ومحاطا بالكثير من الشكوك. وإذا استثنينا بعضه، فإن الغالبية تدور في فلك مظلم وبعقليات مريضة مهووسة بتمجيد الأنظمة وتلميعها، ولنا أسوة في الإعلام الرسمي وانكشافه في حالتي ثورة تونس ومصر وحتى ليبيا. فحتى مع توفر سقف الحرية، يمتهن بعض القائمين على هذه الوسائل أنفسهم أمام الإغراءات المادية والاشتراك في لعبة سمجة لمسلسل تحجيم الشعوب وتقزيم ثوراتهم، وأصبح المتابع مضطرا لمتابعة ما تمليه عليه وسائل الإعلام الأجنبية، بحثا عن مصداقية تحقق له ارتياحا نفسيا، بعيدا عن فشل نظام إعلامي مترامي الأطراف، يسمى جوازا إعلام الوطن العربي!
ومن المفارقة أن هذه الأنظمة الفاشية الزائلة نفسها، أصبحت تتسابق على الإعلام الغربي من أجل دعم موقفها، فكم كان طريفا أن يقوم القذافي نفسه بعمل لقاءات صحافية ومتلفزة مع هذه الوسائل، في حين يخرج ابنه الأخ سيف الإسلام على منابر بعض القنوات الفضائية العربية، ليسب بملء فيه «.. العرب وجامعتهم».. وبقي أن يقول «وإعلامهم» الذي يجير بعضه للترويج له ولنظامه! ولا ادري كيف تحترم هذه القنوات العربية نفسها بعد الذي أعلنه الأخ سيف الإسلام، وكيف يمكن أن تعود لاستقباله عبر فضائها وتستميت على استضافته، فقط من أجل سبق إعلامي يجرح الثورة الشعبية الصادقة. فتاريخيا لم نسمع أن هتلر أقام مؤتمرا صحافيا بعد سقوط ألمانيا النازية، بل فضل الموت على المماطلة، ولو أراد لما تسنى له، لكن اليوم وفي حالة إخواننا العرب، نجد أن أصوات الطغاة أعلى من صوت هبوب رياح الثورة، والكوميديا السوداء التي تبث بين حين وآخر، تجدد حالة الزعيق التي تحترفها هذه الأنظمة وبنبرة استعلائية واضحة. فلماذا يتاح المجال أمامهم، في حين يمارس هو سياسة التعتيم والتكبيل والقتل؟ وهل مثل هؤلاء يكون لهم رأي في وقت قال الشعب كلمته وانتهى؟!
الشعور الذي يراود كل مواطن عربي مجروح من إعلامه، يتلخص في حالة من «القرف»، لأن الفضاء أصبح مفتوحا من جميع الجهات، فما يحجب هنا يستطيع أن يقرأه ويشاهده عبر ألف وسيلة إعلامية أخرى، فالحقائق باتت كالشمس لا تغطى بغربال، ومع ذلك يبدو أن استيعاب هذا الواقع يظل بطيئا عند بعض الأنظمة التي تعاني من عزلة حقيقية تتصور انسحابها على شعوبها، لذا تكرس جل اهتمامها لإطالة حالة الأمر الواقع، وإحاطة إعلامها بأسلاك شائكة ومكهربة، فقط حتى لا تطير شرارة الثورة إلى عقر هذه الدار أو تلك. ولعل البعض قد انحنى احتراما لأحد الإعلاميين العرب الذي لم يستمرئ مسلسل التطبيل والتزمير، فاختار الاستقالة وعلى مرأى ومسمع المشاهدين، وهؤلاء قلة في زمن تباع فيه الذمم بثمن بخس، ويقفز أنصاف المثقفين للتصدي لكبريات المؤسسات الإعلامية، من أجل تحقيق أعلى هامش ربحي من الإعلانات.
ليبيا واليمن تقفان على فوهة بركان، كلما خمد تأجج وكلما زاد احتقانه انفجر، ومن غير المفهوم أن يتعاطى الإعلام العربي مع هاتين الثورتين بناء على حسابات المكسب والخسارة، فالأمانة التي تظل في أعناق المسؤولين أثقل من الجبال لو أدركوا، ولكن «قد أسمعت لو ناديت حياً، ولكن لا حياة لمن تنادي».