ما يحدث من حراك جماهيري وثورات شعبية في الشرق الأوسط، له تأثيره وتداعياته الكبيرة في شتى المجالات وعلى العديد من دول العالم، وعلى رأسها الدول الكبيرة ذات المصالح الاستراتيجية القارية. ولا شك أن روسيا التي تبدو في حالة هدوء «مصطنعة» تجاه ما يحدث، هي أيضا من الدول المتأثرة بشكل كبير بما يجري في الشرق الأوسط. وقد وصفت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، مواقف روسيا والصين تجاه ما يحدث من ثورات في الشرق الأوسط، بأنها أذكى بكثير من مواقف واشنطن والأوروبيين، حيث تسعى كل من موسكو وبكين إلى إمساك العصا من المنتصف، ولا تتسرعان في المبادرة بتأييد أي طرف في الصراعات الدائرة.
والحقيقة أن رأي كلينتون صحيح إلى حد كبير، وإن كنا نختلف بعض الشيء فيما إذا كان هذا الموقف ينم عن ذكاء أم عن خوف أو قلة حيلة تجاه ما يحدث، خاصة وأن كلا من روسيا والصين ليستا ذات تأثير ملحوظ على البلدان العربية مثل واشنطن ودول أوروبية كبيرة، كبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وغيرها، هذه الدول التي تربطها بالبلدان العربية علاقات اقتصادية وسياسية واستراتيجية كبيرة على مدى عقود طويلة مضت. وقد ورثت هذه الدول الأوروبية والولايات المتحدة، إلى جانب نفوذها القديم، مكانة الاتحاد السوفييتي ونفوذه في كافة المواقع التي كان يشغلها في المنطقة. ولم تفكر روسيا الحديثة في التوجه إلى هذه المنطقة أو العودة إليها إلا مؤخرا، منذ أقل من خمس سنوات لا أكثر، ولا يمكن الجزم بأنها اتخذت في هذا الاتجاه خطوات ملموسة، وكذلك الصين التي لم يتعدّ تقاربها مع بلدان هذه المنطقة، المجال التجاري والاقتصادي المحدود.
الحذر الروسي تجاه الأحداث في الشرق الأوسط أمر له أسبابه ومبرراته، ومن أهم مبرراته أنه مثل الخوض في أرض غريبة بدون خريطة محددة المعالم، حيث لا توجد داخل البلدان العربية الآن الأحزاب والتنظيمات الشيوعية أو اليسارية التي كانت تعمل لحساب موسكو السوفيتية، والتيار اليساري أو التقدمي الموجود حاليا في الدول العربية ضعيف من جهة، ومن جهة أخرى ليست له علاقات بروسيا الحديثة البعيدة عن الشيوعية، ولا حتى بالصين التي ما زالت تحتفظ بالإطار الشيوعي، وإن كان المحتوى نقيضاً للإطار، بينما الوضع في البلدان العربية بالنسبة لواشنطن والأوروبيين على العكس تماما، حيث معظم القوى السياسية الفعالة، بما فيها التيارات الدينية الأصولية، لها علاقات متواصلة مع واشنطن والاتحاد الأوروبي.
ولكن كل هذا لا يعطي موسكو الحق في أن تكون بهذه السلبية التي هي عليها الآن تجاه ما يحدث في المنطقة، ولا أن تبالغ في الحذر والتردد بالشكل الذي يضر مصالحها، خاصة وأن الآخرين يجازفون ويقامرون ويراهنون على كافة الجبهات، وغير مقبول من موسكو أنها حتى الآن لم تحدد مواقفها بوضوح مما يحدث، ليس فقط في ليبيا، بل حتى بالنسبة لتونس ومصر. ففي الوقت الذي بدأ يتوافد فيه الغربيون على القاهرة بعد الثورة، لا نرى أي خطوة من جانب موسكو في هذا الاتجاه، علما بأن آخر مسؤول أجنبي التقى الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، كان نائب وزير الخارجية الروسي سلطانوف، ولم تصدر من موسكو حتى الآن أية تصريحات رسمية واضحة بالتأييد للثورة وللقائمين عليها، اللهم إلا بعض العبارات الدبلوماسية حول متانة العلاقات الروسية المصرية. كما أن الموقف الروسي مما يحدث في ليبيا أيضا غير مقبول، فلا يكفي أن تصرح موسكو بأنها ضد أي تدخل عسكري أجنبي في ليبيا، فهذا موقف الغالبية بمن فيهم قيادة حلف شمال الأطلسي وأيضا جهات رسمية في واشنطن.
المطلوب من موسكو مبادرات أكثر من تصريحات، وكان يجب أن تصدر عن موسكو مبادرة تجاه ما يحدث، قبل أن تأتي المبادرة من أميركا اللاتينية من هوغو شافيز، فمصالح روسيا مع ليبيا ومع جيرانها أكثر بكثير من مصالح شافيز مع صديقه القذافي، ويكفينا أن نعرف أن روسيا حتى الآن هي الخاسر الأول في ليبيا، قبل أن تخسر غيرها من بلدان العالم، حيث ان هناك صفقات بيع سلاح روسي لليبيا قيمتها نحو أربعة مليارات دولار، لم تتم ومهددة بالإلغاء مع تطور الأحداث، كما أن هناك عقودا أبرمتها الشركات الروسية مع ليبيا معلقة حتى الآن، ومنها عقد إكمال بناء مصنع للأسلحة كان قد بدأ العمل في إنشائه في زمن الاتحاد السوفييتي، وعقد آخر لتحديث وإصلاح 145 دبابة، وهناك مباحثات بين البلدين بشأن توريد 12 طائرة مقاتلة من طراز «سو-35«، و36 راجمة صواريخ، وقذائف من طراز «بانتسير س1»، ومجموعة من منظومات الدفاع الجوي الصاروخية، وهناك اتفاقات مبدئية كثيرة بين روسيا وليبيا في مجالات الطاقة والسكك الحديدية والطاقة النووية.
كل هذا وغيره روسيا معرضة لخسارته إن لم تحسم موقفها مثل الآخرين، وعلى موسكو أن تتوقف عن لعبة تباين التصريحات الصادرة عن القيادة، والتي اعتدنا عليها منذ وصول الرئيس ميدفيديف للحكم، حيث نسمع تصريحا من الكرملين ونسمع في نفس التوقيت تصريحا مناقضا من الخارجية أو من رئاسة الوزراء! هذه اللعبة قد تكون مقصودة ومفيدة في ملفات وقضايا أخرى مثل الملف النووي الإيراني أو ملفات الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكنها لا تصلح الآن في التعامل مع الثورات الشعبية في البلدان العربية، حيث الشعوب الثائرة تريد أمورا واضحة ولا تقبل الألوان الرمادية.