كما كان متوقعاً، بدأت الالتفافات الخارجية حول القاهرة وتونس وبنغازي، حتى قبل أن يجهز على شخص معمر القذافي الذي لا يزال يقاوم لحظاته الأخيرة. هذا الالتفاف يشبه الطوق الأمني الذي يفرض اليوم على هذه العواصم الثلاث بغرض دفعها ؟ كما يدفع القطيع - نحو الوجهة التي يراد لها حسب المخطط الموضوع منذ زمن الاستعمار الذي ولى دون رجعة.
الولايات المتحدة وفرنسا وبمساندة كل من إيطاليا وبريطانيا أصبحت جميعها على رأس قائمة الدول الغربية التي تريد أن تلعب من جديد دور الوصي على الثورات الثلاث التي ما زالت تعيش لحظات المخاض على خارطة الوطن العربي. بل أن هناك منافسة غير شريفة بدأت ملامحها تتكشف شيئاً فشيئاً بين الولايات المتحدة وفرنسا للعب هذا الدور وبأمل أن تكسب كل واحدة منها ود شباب الثورات قبل الأخرى. وكما ذكرنا في مقالات سابقة بأن هذه الدول نفسها كانت قبل أيام من قيام الثورات المتتالية تتعاون مع تلك الأنظمة قبل سقوطها وتمدها بالسلاح والمال لضمان بقائها، وعندما تغيرت وجهة الرياح فيها غيرت تلك الدول أيضا وجهة أشرعتها حيث تجري الرياح في القاهرة وتونس وبنغازي.
ومما يؤسف له أن بعض من ساهموا في نجاح ثورة مصر صدقوا سراب الوعود الغربية وسافروا في اليوم التالي في البحث عن نفس الحليف الذي كان يسند الأنظمة السابقة وكأن ثورات العرب لا تستطيع أن تنهض إلا برضا ومباركة تلك الدول.
إن الدول الغربية تخشى جل ما تخشاه أن يفلت زمام هذه الشعوب من بين يديها كما حدث مع ثورة الخميني في نهاية السبعينات، وتخشى أن تقرر مصيرها على عكس ما تهدف إليه مخططاتها ومصالحها في المنطقة التي تعج ببحيرات هائلة من النفط ومساحات شاسعة من السوق الاستهلاكية المفتوحة على مصراعيها للتنافس التجاري الدولي، وبما تتميز به من موقع استراتيجي يربط الشرق بالغرب. فالسيطرة على الشرق الأوسط يعني السيطرة على مقدرات القارات الست. وكما نلاحظ فإن مصر تسيطر على بوابة قناة السويس واليمن على عنق باب المندب وعمان على مضيق هرمز. فإذا ما خرجت تلك المنافذ من يد الوصاية الغربية أصبحت أوروبا والولايات المتحدة رهينة في يد من تقع بيديه تلك المنافذ.
المسألة ليست بالبساطة التي قد يتوقعها البعض. وحفنة الملايين التي أرادت الولايات المتحدة أن ترمي بها أمام شباب ميدان التحرير أشبه ما تكون بحفنة الحب التي ترمى أمام سرب الحمام للانقضاض عليه. فزيارات وتصريحات مسؤولي تلك الدول المتحضرة في صبيحة ثاني أيام عيد الثورة تعبر عن نفسها دون مواربة. ثم إن محاولات حلف الناتو التدخل في ليبيا دون حاجة إلى موافقة مسبقة من الأمم المتحدة لدليل واضح على مدى تخوف الغرب من الأحداث التي فاجأتها بينما كانت غارقة في ردم حفرة اقتصادية هنا وأخرى هناك.
من الطبيعي إذن أن تستيقظ هذه الدول على طبول الثورات المتعاقبة في مصر وتونس وليبيا واليمن والبحرين والأردن وإلى حصارها داخل حزام واق يمنعها من الخروج عن سيطرتها وإلى إعادتها إلى حظيرتها.
لكن جل ما نتخوف منه نحن، هو أن يتحول تدخل الدول الغربية بهذا النسق وبهذه السرعة وبما تضمره من نوايا الكل يعلمها وبكل هذا الثقل ومن جميع الاتجاهات إلى سحب البساط من تحت أقدام قادة الثورات ويتمخض الجبل في النهاية عن فأر، وتذهب آمال الشباب أدراج الرياح وتعود حليمة إلى عادتها القديمة.

إن الغرب لا يهمه مصير شعب مصر ولا شعب تونس ولا شعب ليبيا ولا اليمن بقدر ما يهمه أن يتحكم - من خلال جزرة مغريات دعمه المادي والمعنوي - في طرق التجارة وآبار النفط والمواقع الإستراتيجية وفي حفظ أمن دولة إسرائيل. إن الاهتمام الأوروبي والغربي الملفت للنظر بالأحداث المأساوية في ليبيا وعدم الاكتراث بما يحدث في بلدان أخرى مثلا هو لكون ليبيا تنتج نسبة لا يستهان بها من النفط وتحتفظ بكميات هائلة من الاحتياطي. ومن هنا جاء تهديد معمر القذافي المحاصر من كافة الجهات بحرق آبار النفط لعلمه بأهميته بالنسبة لهم. تماما كما فعل الرئيس العراقي السابق صدام حسين عندما دارت عليه الدوائر.
المطلوب الآن من رجالات ومنظمي وقادة الثورات في مصر وتونس وليبيا وغيرها، عدم الانجرار نحو هذا الفخ المنصوب لها. فقد أثبتوا للعالم أجمع بأنهم امتلكوا قدرة إسقاط الأنظمة بين ليلة وضحاها وبطرق سلمية أذهلت المجتمع الدولي. وهم اليوم يمتلكون القدرات على إعادة الأمور إلى نصابها دون الحاجة إلى نصائح واستشارات ووصايا وانتداب وتدخل المجتمعات الغربية. تلك المجتمعات وقادتها لا تفهم لغة العالم العربي والإسلامي إلا من خلال ثقب مصالحها الضيق. ولم تتأخر عن التهافت على شباب مصر وتونس وليبيا لتنصب نفسها وصيا على ثوراتهم. إنه لأمر مضحك.
ووفق ما تناولته وكالات الأنباء عما أوردته صحيفة الواشنطن بوست فيبدو أن وفدا أميركيا من دبلوماسيين واقتصاديين رفيعي المستوى سارع بزيارة القاهرة الشهر الماضي في مهمة لبحث كيفية تقديم مساعدات أميركية لدعم الديمقراطية غير أن هذا الوفد عاد خائبا وغير مرغوب فيه من قبل شباب ثورة 25 يناير الذين دفع أخوتهم حياتهم قنصا برصاص وقنابل مسيلة للدموع من صنع أميركي.
مثل هذه المحاولات لاختراق صفوف الثوار ومحاصرتهم لن تتوقف. وعلى قادة الثورة عدم السماح لأي انشقاق في صفوفهم. وإلا انقلب الإعجاب العربي والعالمي بهم إلى السخرية من النهاية التي وصلوا إليها بعد كل ذلك العناء الذي سيذهب أدراج الرياح.
على العالم الغربي من جهته أن يحترم إرادة الشعوب. لقد ارتبطت على مدى العقود الماضية أسماء الأنظمة التي سقطت بساسة الاستعمار، وأن كره الشعوب العربية والإسلامية بدءا من ضربات تنظيم القاعدة المتطرفة إلى ثورة شباب التحرير سببه ومرده إلى سوء نية الغرب في تعامله مع هذه الشعوب واستغلال موارده ومحاولة طمس معالمه.
أننا لم نعد، بعد نجاح الشباب التونسي والمصري في ثورته السلمية، شعوب متخلفة أو دول عالم ثالث: إن ما حدث في مصر وتونس وربما غدا في ليبيا واليمن سيجبر الغرب على أن يطلق علينا شعوبا ناهضة. والدول العربية التي اتعظت من الأحداث بدأت تضع مطالب شعوبها نصب أعينها. وهذا هو المطلوب. لا أقل ولا أكثر.