على الرغم من أنها تحمل الكثير من التشابه مع دول الخليج الأخرى إلا أن دولة الإمارات تتمتع بمميزات فريدة أهلتها لأن تكون حالة استثنائية في العالم من حيث التركيبة السياسية والوضع الديمغرافي والتطور الاقتصادي بل وحتى الآمال والتوقعات المستقبلية.
فسياسياً هي أنموذج سياسي فريد لا فيدرالي ولا كونفيدرالي. وضعها السكاني فريد هو الأخر. فالدولة تمثل تجمعا بشريا مختلفا من أنماط وثقافات وأعراق متعددة لا يجمعها بعض الأحيان رابط حيث تعد ما نسبته 85٪ من سكانها عمالة مؤقتة. تطور الإمارات الاقتصادي مذهل، فعلى الرغم من أن اقتصادها معتمد على النفط ألا أنها أهلت نفسها سريعا لمرحلة ما بعد النفط. فقد قفزت الإمارات سريعا إلى مرتبة متقدمة من حيث النمو الاقتصادي حيث تعد ثاني أكبر اقتصاد في الشرق الأوسط وذلك بفضل السياسات المرنة والجاذبة .
والتي ساهمت في دفع دولة الإمارات إلى مستوى الصدارة في منطقة الشرق الأوسط. إما من حيث التوقعات والآمال فهي أيضا فريدة. فما تحلم به باقي الدول تراه حقيقة ماثلة على أرض الإمارات اليوم. هذه العوامل مجتمعة جعلت من الإمارات أنموذج متكامل ليس فقط من ناحية التجربة والتطبيق بل من ناحية الآمال والتوقعات التي تحلم بتحقيقها لكل من سكن أرضها. فقد عرفت الإمارات بأنها أرض الأحلام والكل فيها منشغل بتحويل حلمه إلى واقع.
منذ نشأتها وفرت الإمارات لمواطنيها حقوق مواطنة متفردة يتمتع بها كل من يحمل جنسية الدولة. فحق امتلاك مسكن ومجانية التعليم والعلاج الصحي وحقوق أخرى كثيرة هي امتيازات يحصل عليها كل من ينتمي إليها. بل أنه في بدايات الاتحاد كانت بعضا من هذه الحقوق يحصل عليها الوافد أيضا طبقا للقوانين واللوائح المطبقة آنذاك. كما تميزت التقاليد السياسية المشتقة من الأعراف البدوية بالمرونة والانسيابية، فمجلس الحاكم مفتوح لسماع كافة الآراء التي تهم الصالح العام. اقتصاديا قفزت الإمارات لتصبح محطة مهمة في المنطقة ومركزا ماليا متميزا ساهمت كل المجموعات البشرية في تحقيقه.
هذه الشراكة العامة في الآمال وفي الأحلام ساهمت في الدفع بسفينة الاتحاد لكي تعبر عباب أمواج متلاطمة دون خوف أو وجل. فكانت الدولة على الدوام واحة أمن وأمان حتى إبان الأزمات الكبرى التي عرفتها المنطقة. وهكذا عبرت سفينة الاتحاد عقود تاريخية متميزة منها عقد التأسيس وعقد البناء وعقد التمكين إلى أن وصلت إلى نهاية عقدها الرابع.
وطبقا لما يراه جميع الراصدين والمراقبين فإن مشوار الإمارات لم يكن سهلاً على الدوام، فقد واجهت رياح عاتية ولكنها تغلبت عليها بكثير من الحكمة والمرونة لتصبح واحة أمن وأمان. أربعون عاماً مضت خلالها زالت من الذاكرة أحداث مؤثرة وبقت أخرى دائمة تذكرنا بما حققته أيدينا من تاريخ سوف يظل ماثلاً أمامنا.
احتفال الإمارات بعيدها الأربعين هذا العام يطرح أمامنا جملة من الأسئلة والاستفسارات. فبعيدا عن الأجواء الاحتفالية التي سوف ترافق هذه المناسبة الوطنية الغالية، وبعيون وطنية راصدة تجعلنا نراجع انجازاتنا الوطنية، ما حققناه وما نتطلع لتحقيقه، نطرح العديد من الأسئلة ونتطلع إلى إجابات وافية وشافية عليها. سؤال التجنيس ومفهوم المواطنة الجديد القائم على المشاركة الفاعلة وقضية التوطين وارتباطها بالبطالة الشبابية وقضية التركيبة السكانية المثيرة للفزع .
وذلك الانهمار السكاني والانفتاح الكبير وقدرتنا على التعامل معه كلها أسئلة تحتاج إلى إجابات شافية ووقفة صارمة وحلول جذرية ملحة خاصة وأن الوعي بهذه القضايا قد تنامى بل وتغير منذ بدايات الاتحاد وحتى الوقت الراهن. هناك أجيال مواطنة جديدة أصبحت تنظر إلى هذه القضايا بنظرة مغايرة عن جيل الاتحاد وجيل الرواد وتتوقع تطوراً ملحوظاً في مفاهيم المواطنة يتعدى المطالب المعيشية.
كما أن هناك أجيالاً جديدة وافدة أيضا أتت إلينا بفكر جديد وثقافة جديدة ونظرة إلى المواطنة وحقوقها بمنظور مختلف عن منظور الجيل السابق. هذا الجيل الوافد الجديد أصبح ينظر إلى نفسه على أنه ليس أجيراً لدينا بل مساهماً مهماً في بناء هذه الدولة ومن حقه علينا أن نعتبره ضمن النسيج الاجتماعي الموجود في المنطقة.
لقد بدأ هذا الجيل في بلورة أفكار أو ربما مطالب ربما مغايرة عن تلك التي طالب بها الجيل الذي وفد إلينا مع بدايات قيام الاتحاد. هذه كلها قضايا جديدة سوف تواجه الاتحاد في بداية عقده الخامس وهي قضايا وإفرازات جديدة يجب التعامل معها بكل حذر وجدية آملين إيجاد حلول جذرية لها مطمئنة لكل الأطراف. إن طريقة تعاملنا الحضاري مع هذه القضايا بالتأكيد سوف يصب في مصلحة الاتحاد ويفند كل التوقعات المستقبلية السلبية.
إن العالم كله يتغير وبما أننا جزء من العالم المحيط بنا وتفاعلنا مع قضاياه وأحداثه هو حقيقة حتمية إذا علينا البدء في وضع استراتيجية مجتمعية واضحة قائمة على حقوق مواطنة جديدة. ومن حقنا كشعب فتى أن يتطلع إلى الأفضل على الدوام كما أن من حقنا أن نحافظ على ما خلفه جميع آبائنا وما شيدته أيدينا بكل مسؤولية واقتدار وفخر آملين أن تسير سفينتنا في بحر المتغيرات بقيادة ربابنة مهرة يعرفون الطريق جيدا ويصلون بنا إلى بر الأمان ويجعلوننا نفتخر بأننا ننتمي إلى هذا الوطن.