فوجئ بعض العرب ودهش بعضهم الآخر بانطلاقة الانتفاضة التونسية، لأنهم لم يعهدوا تونس في العقود الأخيرة تنادي بالثورية ولا بالانتفاضة ولا بالشعارات اليسارية، ولا حتى بشعارات التحرر الوطني، وهي الشعارات التي كانت سائدة في ستينات وسبعينات القرن الماضي، رغم أن معظم البلدان العربية في المشرق والمغرب عاشت عدة عقود في ذاك المناخ «الثوري» و«التحرري»، وتأسست فيها جميعاً حركات تحرر وطني، وأحزاب قومية واشتراكية استطاع بعضها تولي السلطة، وتغنى بعضها الآخر بشعارات الثورة والتقدمية والاشتراكية، وصولاً إلى شعارات حرب التحرير الشعبية.

أما تونس فبقيت بعيدة عن هذا المناخ، وكل ما أصابها من عدوى هو أن الحزب الدستوري الذي يحكمها أضاف كلمة «الاشتراكي» إلى اسمه، إلا أنه بقي حزباً ليبرالياً (نسبياً) ومعتدلاً. فلم يزعم أنه ثوري، بل كان يؤكد دائماً أنه «ديمقراطي»، أقرب إلى الديمقراطية الأوروبية منه إلى «الديمقراطيات العربية الثورية الاشتراكية».

وقد استقر في وعي أبناء الشعب العربي وفي أذهانهم، أن تونس تغرد خارج السرب العربي، وتكاد مفاهيمها وقيمها وأهدافها أن تكون أوروبية. وعندما طرح المرحوم الرئيس بورقيبة مشروعه لحل الصراع العربي الإسرائيلي، لاقى صداً من معظم العرب، واستقبل بالمظاهرات والهتافات المعادية.

واتهم بالعمالة والخيانة ،أو على الأقل بالتخاذل والرجعية. ولعله لهذه الأسباب ولغيرها، ولأن المجتمع التونسي أكثر تمثلاً لمفاهيم الدولة الحديثة والمعاصرة وأسباب التقدم، لم يتوقع أحد أن يطلق الشعب التونسي شرارة المرحلة الجديدة والمصير الجديد لمسيرة الشعوب العربية ومراحل تطورها المقبل.

من يعود لتاريخ تونس، يكتشف أنها كانت رائدة منذ بدء العصور الحديثة، فقد منع الباي المصلح أحمد بن مصطفى الرق في تونس عام ‬1846، وأنشأ المدرسة الحربية (في بارد في تونس) في الفترة نفسها، وحدّث الإدارة والجيش، وأقرت تونس أول دستور حديث قي تاريخ العرب عام (‬1867) بفضل خير الدين التونسي (‬1810ـ‬1890).

وقد تضمن الدستور فصل السلطات واحترام الحرية والعدالة والمساواة، وتقييد سلطة الحاكم واحترام القوانين، كما تم في تونس بقيادة خير الدين أيضاً تطوير مناهج التعليم وخاصة في الزيتونة، على التوازي مع تطويرها في الأزهر وفي القرويين، وكان ذلك أول تحديث عربي لمناهج التعليم في العصر الحديث، وأصبح نهجاً لمراكز البحث والتعليم العربية فيما بعد. وامتلكت تونس مطبعة عربية منذ منتصف القرن التاسع عشر، ولم يسبقها لذلك من البلدان العربية سوى مصر ولبنان، ونشرت المطابع التونسية عديداً من الكتب.

وقد تبنت تونس مبكراً منجزات النهضة الأوروبية، وباشرت نهضتها الخاصة، التي تحترم تقاليدها، وتأخذ تعليمات صحيح الدين وقيمه بعين الاعتبار. وأمام تجربة تونس النهضوية الإصلاحية بقيادة خير الدين التونسي، قرر السلطان العثماني استدعاءه وعينه صدراً أعظم (رئيس وزراء) عام ‬1873، وطلب منه إجراء إصلاحات في الإمبراطورية العثمانية مماثلة لتلك التي جرت في تونس، إلا أن رفض سلاطين بني عثمان اقتراحات خير الدين التونسي، جعله يستقيل من مسؤولياته ويعود إلى تونس.

أما في التاريخ المعاصر، فقد كانت تونس، البلد العربي الأول، وربما كان الوحيد حتى الآن، الذي أصدر قانوناً للأحوال الشخصية عام ‬1964، أعطى المرأة التونسية معظم حقوقها، وهي الآن تتمتع بهذه الحقوق، بما لا مثيل له في أي بلد عربي آخر. وقد اعتبر البعض أن هذا القانون تقليد للقوانين الأوروبية تبناه الرئيس الراحل بورقيبة، وأظن أن هذا الاعتقاد غير صحيح، لأنه عمل تحديثي نهضوي، ينسجم مع السياق العام للنهضة التونسية الحديثة، التي بدأت قبل قرن ونصف وما زالت مستمرة.

وفي هذا المجال أشير إلى أن الطاهر حداد، الكاتب التونسي ونصير المرأة، هو العربي الثاني بعد محمد عبده الذي تبنى حقوق المرأة منذ ثلاثينات القرن الماضي، كما أشير أيضاً إلى أن الحزب الدستوري التونسي الذي تأسس عام ‬1930، هو أقدم حزب عربي ما زال قائماً باستمرار حتى الآن، إلا أن السلطة دجنته وأفرغته من محتواه، وهذا شأن آخر.

إذن، لم تكن الدهشة العربية من انطلاق شرارة التغيير من تونس في محلها، ولا يبرر الجهل بتونس وتاريخها مثل هذه الدهشة. فهذا البلد العربي، كما أشرت، هو من أوائل من سعى لتحقيق النهضة العربية والحداثة، وكان أول من حققها في بعض الأحيان، كما هي حاله مع تأسيس أول دستور عربي، وتبني مفاهيم الدولة الحديثة، وقدم أول صدر أعظم (رئيس وزراء) للإمبراطورية العثمانية، وأول من ألغى الرق وغيرها، وكلها دلائل على حيوية شعب تونس، وعلى تبنيه المبكر لمفاهيم النهضة والحداثة وقيمهما.

ولذلك ليس غريباً ولا مفاجئاً أن تنطلق شرارة التحول العربي المعاصر الكبير من تونس، بل كان أمراً بديهياً، رغم أن الثقافة العربية المعاصرة (والمثقفين العرب) يتجاهلون دور تونس النهضوي والرائد، وربما لا يعرفون تاريخها ونزوعها التحديثي المبكر، مما جعلهم يصابون بالدهشة، لما جرى في تونس، حتى كادوا أن لا يصدقوا ما رأته أعينهم، وما سمعته آذانهم، وكثيراً ما سمعتُ البعض يقول «سبحان الله الذي يضع سره في أضعف خلقه»! بينما الواقع يؤكد أن هذا الذي جرى ليس جديداً على تونس، بل هو من سياق تاريخها الحديث ومنسجم معه.

نعرف أن الريادة العربية المطلقة هي لمصر وشعبها العظيم، ومن العدل أن نعرف أيضاً أن الريادة بعد مصر كانت لتونس تاريخياً، فمثلما بدأت مصر نهضتها في القرن التاسع عشر بمحمد علي باشا حاكماً ورفاعة رافع الطهطاوي مفكراً، بدأت تونس نهضتها بدورها بالباي أحمد بن مصطفى حاكماً وخير الدين التونسي مفكراً.. ومن غريب الصدف أن البلدين يرسمان معاً من جديد ملامح النهضة والحداثة العربية.