تتوارد أنباء مقلقة حول ما يجري في محافظة كركوك العراقية، فهي تشير إلى أن مدينة كركوك مطوقة من قبل قوات كبيرة من البيشمركة الكردية المسلحة بأسلحة ثقيلة، وهو ما أكدته مصادر عديدة من ضمنها تصريحات الأمين العام لوزارة شؤون البيشمركة في إقليم كردستان، اللواء جبار ياور، في السادس من مارس الجاري.
والذي برر تطويق المدينة بأنه إجراء لحمايتها من خطط إرهابية تسعى للنيل من استقرارها وأمنها. وقد تضاربت الأنباء حول موقف الحكومة المركزية من ذلك، فبعضها يشير إلى أن طلب رئيس الوزراء العراقي بانسحاب فوري لهذه القوات، قد قوبل بالرفض، في حين تشير المصادر الكردية إلى أن الحكومة العراقية على علم تام بتحركات قوات البيشمركة، وأنها لم تطلب منها الانسحاب لأن مسؤولية حماية المدينة مسؤولية مشتركة، هذا في الوقت الذي التزمت فيه بغداد الصمت التام حول هذا الموضوع.
حين يتحدث عراقي عن «العراق»، تتراجع بؤر الخلافات والصراعات إلى الوراء، وحين يتحدث عراقي آخر عن «المكونات» تبرز هذه البؤر إلى موقع الصدارة. الأول يرى صورة وردية لعراق موحد يسعى إليه أغلب العراقيين، والثاني يرى صورة أخرى تريدها قلة منهم.
مضى على النظام السياسي الجديد في العراق ما يقرب من ثماني سنوات، لم يستطع خلالها الإفلات من أسر المشاكل العالقة التي ورثها عن النظام السابق، بل إنه في الحقيقة عمل على إحاطة نفسه بمشاكل جديدة، انبثقت من الحلول التي وضعها لهذه المشاكل والآليات التي اقترحها للتنفيذ وضمنها في الدستور، الذي كتب على عجل وفي ظروف استثنائية، حيث وضع فيه الكثير من الألغام والكثير من العراقيل، لتعطيل أية محاولة لتعديل بعض بنوده أو مواده. فرغم قناعة كثيرين ممن كتبوا هذا الدستور، بقصوره وبضرورة إعادة النظر في بعض بنوده ومواده، إلا أنهم قد وجدوا أنفسهم عاجزين عن ذلك لصعوبة تحقيقه دستورياً.
بعيداً عن مشاكل الحياة اليومية التي يعاني منها العراقيون والتي يعرفها القاصي والداني، هناك مشاكل ذات بعد استراتيجي تتعلق بالتوازنات داخل المجتمع العراقي نفسه، وليست وليدة اليوم أو الأمس، أبرزها مشكلة كركوك التي يؤجل حسمها منذ سنوات بين العاصمة بغداد وعاصمة إقليم كردستان أربيل، وجوهر المشكلة هو مستقبل المدينة ومصيرها، الذي يتأرجح بين إرادة إقليم كردستان وإرادة حكومة بغداد وإرادة المدينة نفسها.
ولتجاوز الخلافات العميقة حول مصير هذه المدينة، يختلف الفرقاء حول المرجعيات المعتمدة لتخطي هذه الإشكالية، أهي مرجعية الدستور أم مرجعية التوافق بين المكونات؟ دستورياً، وهو ما يصر عليه الأكراد، هناك المادة 140 التي وضعت بعناية ودقة لا تقبل اللبس، فهي تضع آلية لها سقف زمني محدد لتقرير مصير المدينة، تبدأ بالتطبيع، وهو تعبير فضفاض يعني من ضمن ما يعني، إعادة النظر في تركيبتها السكانية، التي قد تتطلب إبعاد من هاجر إليها وإعادة من هاجر منها، ثم القيام بإحصاء سكاني لتقدير حجم كل مكون من مكونانها، يعقبه الاستفتاء حول مصيرها، أتُلحق بإقليم كردستان أم تبقى خارجاً عنه؟ وقد تم التجاوز على الاستحقاق الزمني لهذه المادة، بسبب الخلافات حولها ورغبة الجانب الأميركي في تأجيل البت فيها.
على الجانب الآخر، وهو ما يرغب في تحقيقه التركمان والعرب والمسيحيون، هناك مرجعية التوافق الذي شرعته الأمم المتحدة، وهو بقاء كركوك خارج سلطة الإقليم، وإدارتها بهيئة مشتركة لمكوناتها الأربعة، 32 ٪ لكل من التركمان والأكراد والعرب و4٪ للمسيحيين، وهو ما لم يرضي الأكراد.
ثمة أمر آخر تجدر الإشارة إليه، وهو أن عرب كركوك يفضلون تبعيتها للسلطة المركزية في بغداد، في حين يفضل تركمانها أن تصبح إقليماً خاصاً، كما هو حال إقليم كردستان الذي يتمتع بوضع أشبه بالاستقلال ضمن الدولة الاتحادية.
وإلى جانب هذه المرجعيات التي تحصر حق تقرير مصير المدينة في من يسكنها، يرى آخرون أن الشعب العراقي هو المرجعية في ذلك، وأن الأطراف ذات العلاقة بقضية كركوك ليست شعب المدينة المكون من التركمان والأكراد والعرب والمسيحيين فحسب، بل كل العراقيين الذين نشأوا في إطار ثقافة وطنية ورضعوا من أثداء هذه المدينة النفطية على أمد طويل، ويرون أن جذور هذه المدينة تمتد إلى العراق كله.
إشكالية كركوك هي إشكالية كل مدينة غنية في العالم، وجود الثروة النفطية فيها أوجب الاستعانة بالخبرات والأيدي العاملة من مناطق عراقية أخرى، استوطنت هذه المدينة أو ضواحيها منذ بدأ انتقالها إليها، وتعاقبت على وجودها أجيال وأجيال منذ عشرينات القرن المنصرم، فهي مدينتهم كما هي مدينة الآخرين.. إنه الاستحقاق الذي فرضه وجودهم الطويل في المدينة.
كركوك نموذج فريد من نوعه، فهي فسيفساء فيها ألوان وأجناس متعددة كما هو العراق، أسس التعايش التاريخي بين مكوناتها: العرب والتركمان والأكراد والمسيحيين، تتعرض لاختبار عسير ولتحدٍ كبير، كما تتعرض هذه الأسس بين مكونات العراق نفسه لهذا الاختبار العسير. كركوك صورة مصغرة للعراق، تاريخها تاريخه، هموم مشتركة لمن يسكنها ويسكنه، فهل سيكون ذلك أساساَ لمصير مشترك لها وللعراق؟
يعتبر الإحصاء السكاني الذي أجري عام 1957 الأكثر صحة ودقة حول التركيبة السكانية لهذه المدينة، إذ لم تشهد كركوك في الفترة التي سبقت إجراء هذا الإحصاء، على مدى عقود عديدة، حملة ذات بعد سياسي لتغيير تركيبتها السكانية كما شهدت ذلك في عهود لاحقة. فوفق هذا الإحصاء شكل التركمان 39,1٪ من السكان، بينما شكل الأكراد 38,5٪، أما العرب فشكلوا ما نسبته 21,1. وما تبقى وهو نسبة ضئيلة، تعود للمسيحيين من أرمن وآشوريين.
تعرض استقرار كركوك لهزّات كثيرة في الماضي، تسببت في تفجر صراعات عرقية معقدة، غذتها على الدوام أحلام وأطماع ومصالح جهات متعددة، تشابكت وتقاطعت بفعل تدخلات محلية وإقليمية ودولية. وقد أسهمت المعالجات الخاطئة من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة، في مضاعفة تداعيات هذه الهزات، مما خلق أجواءً تهدد مستقبل المدينة وتنذر برفع الصراعات إلى مستويات أعلى.
والآن تقف كركوك ومعها العراق كله، على أعتاب حقبة جديدة محفوفة بالمخاطر، تغيرت فيها موازين القوى وتراجعت سلطة العاصمة بغداد كثيراً وضعفت قبضتها، فحكومتها ضعيفة غارقة في معالجة مشاكل لا تعد ولا تحصى، تقف حائرة عاجزة عن مواجهة قدرات من يصر على تنفيذ استحقاقات المادة 140، فهل سنشهد انهياراً لمبدأ التوافق الذي كرس العمل به منذ سقوط النظام السابق؟