شهدت المنطقة العربية في الآونة الأخيرة، أحداثاً متتابعةً مقلقةً، منها ما بدأ منذ زمن بعيد في مختلف الدول العربية. وصلت الأمور مرحلة الثورة في تونس ومصر. الآن تجري على قدم وساق في ليبيا واليمن والعراق وغيرها.
جل الدول العربية، وغير العربية، باتت مستهدفة بالتغيير بشكل أو بآخر. الأسباب كثيرة ومتنوعة، قديمة ومخضرمة وحديثة. أهم هذه ظهور ثقافة شبابية عصرية جديدة، فريدة من نوعها. هذا إضافةً إلى التدخلات الخارجية المعهودة، والحالة المزمنة لضياع الأموال العربية في الخارج.
لم تفعل الجهات العربية الرسمية والشعبية ذات الشأن ما فيه الكفاية، لمسايرة التطورات العلمية والتقنية والفكرية الحديثة والمستجدة. بقيت هذه الجهات تسير حسب المنهجية القديمة، مع انتشار الفساد والفوضى الإدارية وتفاقم آثارهما بشكل ملحوظ.
تزداد أعداد خريجي الجامعات والمعاهد العليا، بشكل متواصل ومتسارع وحثيث. تتراكم مشكّلةً بطالةً ظاهرةً ومقنّعةً هائلةً. هذه تخلق تبعات نفسيةً، ومعنويةً وماديةً وصحيةً، مع شريحة كبيرة في المجتمع، تتفاقم مع الزمن لتصل حد الانفجار. هذه مشكلة عالمية، ذات خصوصية أكثر نحساً وتبعات سيئةً في الدول النامية.
فاجأت الأزمة المالية الأميركية، والغربية عموماً، العالم وخاصة الدول النامية. بشكل أو بآخر، حِيلَ بين الكتل البشرية الضخمة وأرصدتها ومخزونها المالي في المصارف والمؤسسات المالية والتجارية الغربية. هذه إما أعلنت إفلاسها، أو أصبحت دولها تضع الكثير من القيود والضوابط والعراقيل على إرجاع الأموال الخارجية لأصحابها. أصاب الاضمحلال والكساد الإضافي الأسواق المالية والعمالية العربية، وأصبحت في حالة تأزم خانق، مستفحل ومستعصٍ.
زاد جفاف المواسم في غالبية الدول العربية الطين بلة. الاحتباس الحراري الناجم عن ترك الحبل على الغارب للمصانع الكيماوية الغربية، أدخل الزراعة العالمية عموماً، ومنها العربية، في حالة من الحرج المرضي الشديد. الثروات المائية والزراعية والحيوانية العربية، باتت في وضع سيئ ويزيد من تفاقم الأمور في اتجاه الأسوأ.
الأوضاع الاجتماعية باتت من السوء بمكان. هذه تشبه غابةً من الهشيم، يهددها إشعال عود ثقاب. إقدام خريج جامعي تونسي عاطل عن العمل، الشهيد «محمد البوعزيزي»، على إضرام النار في نفسه يأساً، يودي بنظام سياسي متمكن! ثم اشتعلت الثورات في الدول المجاورة والبعيدة. أعداد من الخريجين العاطلين عن العمل، في مختلف الدول، تُقدم على عمل مشابه لعمل «البوعزيزي»، أملاً بحصول تغيير بهذا الشكل أو ذاك!
التدخلات الخارجية في الشؤون العربية، مثيرة للجدل ثمة موجودة، وبشكل مباشر وغير مباشر. هذه لها ما يبررها ويقبل بوجودها، خاصةً من جانب الجماهير المنتفضة. الأذرع الإعلامية للتدخل الخارجي، هي خير دليل ظاهر على ذلك. باقة كبيرة من الفضائيات تراقب الأوضاع المضطربة عن كثب، وعلى مدار الساعة. إلى جانب مهنيتها الإعلامية، فهي تناصر أو تنحاز لأحد الطرفين على حساب الآخر! لكن وحقيقةً، لولا وجود بعض الفضائيات «الفاضحة للمواقف والأسرار»، لقُضي على كثير من الانتفاضات في مهادها. يُقضى عليها بالطرق التقليدية القديمة؛ بالوعيد والتهديد، وباستعمال العنف الرسمي الفظ المفرط.
في الماضي كوّن الجوع والفقر العمود الفقري التقليدي لبدء ونجاح الثورات. الثورات الفرنسية والروسية والصينية، أمثلة تاريخية حديثة. لم يزل الجوع والفقر المحرك الرئيسي والأساس للانتفاضات والثورات. شاشات الفضائيات تُظهر جموعاً من البشر في حالة من البؤس والجوع والفقر. جموع غفيرة تشكو نقص العوائد المادية وقلة الطعام والماء، وانعدام الأمان المعيشي الوظيفي المستقبلي.
تزيد من تأجيج اشتعال وقود تحرك الجماهير الجائعة، رؤيتهم للطبقة العليا تذهب عالياً في البذخ والترف، وتكويم الأرصدة المالية الفلكية. والسبب الرئيس لثراء هؤلاء، هو تبوؤهم مراكز رسميةً إداريةً عليا. هذا مع ظهور إشاعات، أو اتهامات أو حقائق، حول وصول تلك الثروات رقمياً إلى حدود عشرات المليارات من الدولارات.
الإنسان العربي الآن يُسحَب من أذنيه إلى أتون دوامة عدم استقرار، بقيادة جماعية حاشدة، من أهل «المع» وأهل «الضد». تتأجج دوامة صراع مزيج بين الفوضى والغوغائية، والتنظيم والترتيب الهادفين.
هذه الدوامة بدأت بسهولة ويسر، لكنها تستمر بعسر حتى إشعار آخر.
جامعة الإمارات