أي تقليص للموازنة الأميركية سيكون سلبيا على ما نحققه من برامج في العالم.

نعمل على تعميق ما حققناه من تقدم في عدد من دول الشرق الأوسط.

دعم الديمقراطية في الشرق الأوسط يصب في مصلحة أمننا القومي.

شهدنا اعتداءات على الأقليات الدينية في العالم، وسنعمل على إيقافها.

إما أن تصبح ليبيا ديمقراطية وإما أن يواجه القذافي حربا أهلية طويلة المدى.

انضممنا إلى الشعب الليبي بمطالبة القذافي بالرحيل.

ندعم عمليات انتقال سلمية للسلطة في تونس ومصر وليبيا.

هذه مقتطفات من تصريحات وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، التي تنهمر علينا كل يوم منذ اندلاع ثورة السابع عشر من فبراير في ليبيا. وهي جزء من مسلسل التصريحات التي يتحفنا بها المسؤولون الأميركيون، من مختلف المستويات، منذ انطلاق ثورات الشباب في تونس ومصر وليبيا. تصريحات تحمل مواعظ ممن هم غير أهل لإلقائها.

ورسائل ممن هم غير مخولين بإرسالها إلى من هم غير معنيين ولا مهتمين بالاستماع إليها، لأنها صادرة ممن عملوا عقودا طوبلة من الزمن على دعم من ثار الشباب عليهم، وكانوا سببا رئيسيا في استقوائهم وطغيانهم ومدهم بأسباب الحياة، لإطالة أعمارهم وأعمار عهودهم.

«أشعر أن الولايات المتحدة خانتني».. بهذه الرومانسية غير المعهودة في العلاقات الدولية، رد العقيد معمر القذافي على تصريحات المسؤولين الأميركيين ومواقفهم، كأن ما يربطه بالولايات المتحدة الأميركية علاقة عاطفية حميمة جرحتها خيانة الحبيب، مثلما نقرأ في القصص العاطفية أو نشاهد في الأفلام الرومانسية التي برعت هوليوود في إنتاجها. أي علاقة هذه التي تربط من يصف نفسه بأنه قائد ثورة شعبية، بدولة يصفها الثوار الشعبيون بأنها قلعة الإمبريالية العالمية، وبؤرة الرجعية التي يدّعي الثوار أنهم قد خرجوا للقضاء عليها؟!

بهذه السذاجة السياسية يتعامل القادة الثوريون مع القضايا المصيرية في حياة شعوبهم التي يقولون إنها تحبهم ومستعدة للموت من أجلهم، بعد أن سلموها السلطة منذ قيام الثورة ولم يعودوا أكثر من مرجعية يستأنس بها الشعب لتشجيعهم على ممارسة السلطة.

كم تبدو صورة هؤلاء القادة الثوريين ملتبسة وهم يقولون لنا إن العالم العربي يدار إعلاميا من قبل البيت الأبيض من غرفة موجودة في تل أبيب، ثم يعودون بعد ساعات قليلة ليعتذروا للولايات المتحدة، ولتل أبيب بالتبعية، تاركين شعوبهم في حيرة من أمرها حتى تقوم قيامة هذه الشعوب أو قيامتهم!

رسائل يبدو أنها قد ضلت طريقها فلم تصل إلى من أرسلت إليهم، وليتها لا تصل لأنها رسائل مضللة، يعرف مرسلوها أنها تفتقر إلى المصداقية التي يفرضها الزمن العربي الجديد وروحه المتطلعة إلى الطهر، الذي اشتاقت إليه شعوبٌ هبت من منيتها، واستيقظت من رقدة العدم.

الرسالة الوحيدة التي يجب أن تصل إلى الجميع، هي أن هذه الصحوة صناعة عربية خالصة، لم تتدخل في أي من مراحلها أيد أجنبية، إلا إذا اعتبرناها ردة فعل لسيطرة الأجنبي على القرار العربي، خلال العقود الأخيرة من الزمن العربي، الذي شهد كل الانهيارات التي يعاني منها الوطن العربي، الذي تحول إلى كانتونات صغيرة متشظية، لا تقوى على الصمود أمام جيش من النمل لو قرر غزوها.

ومع أن رسالة الشعوب العربية التي ثارت على واقعها كانت واضحة وضوح الشمس لكل ذي بصر، إلا أن بصيرة القوى العظمى لم تستطع أن تستوعب هذه الرسالة، أو أنها استوعبتها وحاولت الالتفاف عليها، رافضة تصديق ما يحدث أو تصور أنه يحدث دون تدخل منها.

كما تعودت خلال الزمن الرديء الذي هيمنت خلاله على قرار البلاد والعباد، وأصبحت فيه الآمر الناهي الذي لا يرد له أمر ولا يخيب له مراد. لذلك جاءت ردود الأفعال والأقوال والمواقف مرتبكة في البداية، ثم عصبية مع تنامي حركة الشباب، ثم ثورية مع ظهور علامات الانتصار في الأفق، إلى الدرجة التي جعلتنا نتوهم أن الثورة تدار من هناك؛ من داخل «البيت الأبيض» في الولايات المتحدة الأميركية، أو «‬10 داوننغ ستريت» في بريطانيا، أو «قصر الإليزيه» في فرنسا.

وحدها وزيرة الخارجية الفرنسية «ميشال آليو ماري» كانت متوافقة مع نفسها، عندما عرضت على الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، قبل أيام من فراره، إرسال قوات شرطة فرنسية لتدريب نظرائهم التونسيين على كيفية السيطرة على الاحتجاجات، ثم توجت موقفها هذا بقضاء عطلة نهاية عام ‬2010 في تونس.

في الوقت الذي كانت الثورة فيه تشتعل في ذلك البلد العربي، الذي اعتقدت وزيرة خارجية فرنسا أنه ما زال يقع تحت حماية دولتها التي كانت ذات يوم، لم يكن «محمد البوعزيزي» قد وُلِد فيه بعد، واحدة من الدول الاستعمارية الكبرى. لذلك تقدمت الوزيرة الفرنسية باستقالتها، بعد تعرضها لانتقادات شديدة بسبب موقفها من الثورة في تونس والانتفاضات في العالم العربي، رغم تأكيدها أنها لم تقصر في مهامها، ونخالها كانت محقة في قولها.

ثمة رسائل كثيرة يبدو أننا على موعد معها، ربما لم يأت أوانها بعد. وتبقى الرسالة الأهم هي هذا الوعي الذي تفجر على غير موعد ففاجأ كل الذين اعتادوا إرسال رسائل مختلفة إلينا، ليكرسوا الزمن الأسوأ الذي نعتقد أننا قد غادرناه إلى غير رجعة..

فهل يكف أولئك الذين تزعجنا رسائلهم عن إرسال المزيد منها، كي تحافظ ثورات الشباب العرب على طهرها ونقائها، وتواصل بث رسائلها التي انقطعت منذ زمن بعيد لم تعد الذاكرة العربية قادرة على إطالته أكثر من ذلك؟