قال أحد المعلقين الإذاعيين الفرنسيين من خلال إذاعة راديو فرانس، بأن الشعوب العربية أعطت درسا لشعوب العالم في غاية الأهمية، حين استطاع مليون متظاهر الإطاحة برئيس دولة بحجم مصر بينما لم يستطع ثلاثة ملايين متظاهر فرنسي إلغاء مجرد قانون التقاعد!!

وقد أبدى المذيع إعجابه بثورة العرب غير المتوقعة، من حيث لم يتوقع أحد أن ينهض الشعب العربي بهذه القوة المفاجئة للجميع ليغير مسار تاريخه، بعد أن اعتبر في عداد الشعوب النائمة. وذكر بأن هذه الثورة تعتبر ثورة نوعية في تاريخ الأمم، وأنها حركت شعوبا غير عربية تقع على بعد آلاف الأميال عن موقعهم.

ويبدو أن المذيع لم يتخيل أن الصورة المألوفة عن العربي بأنه إما إرهابي، أو يبحث عن الملذات السريعة، ويركب المركبات الفاخرة، ويعتمد على ما يصنعه الغير، ويبيع نفطه وغازه ومعادنه بأرخص الأثمان ثم يعيد شراءها بأبهظ الأثمان، واستغنى عن ثقافته وتعلق بثقافات الغرب، لم يتصور بأن هذه الصورة هي ليست الصورة الحقيقية للإنسان العربي.

وهذه الصدمة لم تكن صدمة للغرب فحسب، بل حتى الشعوب العربية نفسها لم تكن تتخيل في لحظة ما أنها تملك طاقات غير محدودة للتغيير. وأن هذه الطاقات ظلت طوال عقود طويلة غير مفعلة.

العرب اليوم دخلوا التاريخ من باب آخر، وأغلقوا باب الفترة المظلمة من تاريخهم التي امتدت لعدة قرون. فعاشوا منذ الخروج الأخير من الأندلس تحت نفوذ وسيطرة ووصاية وانتداب الآخرين. وتم استغلال مواردهم بطريقة غير مشروعة تحت مسمى الاستعمار. غير أنهم لأسباب عدة لم يحاولوا التغيير بشكل جذر.

وإن حاولوا في بعض الفترات وفشلوا فلربما كان ذلك لعدم خبرتهم بالمقاومة المنظمة، وتم القضاء عليهم بشتى أنواع القمع. وحتى عندما حدث التغيير وقامت بعض الثورات في المدن العربية قبل وبعد ثورة يوليو ‬1952، أخذت ثوراتهم شكل الحكم العسكري الدائم ولم يتحول إلى نظام الشورى ومبدأ المشاركة الحرة في اختيار القائد من قبل كافة فئات المجتمع.

وأصبح نظام الحكم لدى معظمهم شبه وراثي رغم أن ثوراتهم بدأت انقلابية ضد نظام الوراثة والفساد والظلم. بل ان الفساد الذي هبوا ضده بدأ ينخر في جذورهم. وهكذا أصبحت شعوبهم التي خرجت من نفق مظلم تدخل في نفق مظلم آخر. وشعرت الشعوب العربية باليأس من دعم أي ثورات جديدة خوفا من ألا يتكرر المشهد نفسه، وفضلوا البحث عن لقمة العيش والعيش في سلام إلى أن يلفظوا أنفاسهم الأخيرة.

وكان خطأ الحكومات التي توالت عليهم أنها اهتمت بزيادة حجم محافظها الخاصة وملء جيوبها قبل فوات الأوان، وأهملت جانب الصناعة وتنمية اقتصاد البلدان التي يحكمونها وإشباع مجتمعاتها، ظنا منها أن انشغال الفرد بالبحث عن قطعة خبز سوف يلهيه عن التفكير في الثورات ضد النظام القائم. ووجهت وسائل الإعلام لتحسين صورة الحاكم وإظهار صورة الشعب الذي يمجده ويمجد صورته. فظن كل متذمر أنه الوحيد الذي لا يملك شيئا.

وفي هذه الأثناء استطاعت فئات قليلة من الوصول إلى طرق خاصة للاستفادة من الأوضاع المتردية فأثرت بطريقة غير مشروعة في بلد انعدمت فيها مؤسسات محاسبة الفرد بشكل قانوني، أو بتطبيق مبدأ: (من أين لك هذا؟).

واستشرى الفساد حتى انقسم المجتمع العربي بين مجموعة صغيرة جدا غنية غنى فاحشا وباقي المجتمع الذي لا يملك سوى عربة صغيرة يبيع عليها كمية تافهة من الخضار والفواكه، ومع ذلك تتم مصادرتها لمخالفتها قانون الغرف التجارية ثم يصفع على وجهه. ولم تكن لديه مؤسسات قانونية يلجأ إليها وتعيد له حقه وترد له اعتباره سوى أن يعاقب نفسه بإحراقها. وهذا ما حصل...

اليوم انقلبت الأمور. وأصبح كل زعيم عربي يحسب ألف حساب لكل فرد من أفراد شعبه ولحاجات هذا الشعب وتساؤلاته مع أنه قد فات الأوان. والأدهى أن ثورة تونس ومصر وليبيا حفرت بالخط العريض علامة استفهام كبيرة على مبدأ: من أين لك هذا؟ بل والأخطر من ذلك، هو التحفظ على أموالهم حيث وجدت. وهكذا اكتشف العرب طريقة جديدة في الإصلاح السياسي.

فالثورات لا تعني فقط إسقاط النظام كما كان يحدث في السابق. وإنما محاسبته بعد سقوطه. ومما ساعد في ذلك أن الدول الغربية بعينها التي كانت صامتة على أشكال الفساد المنتشر في الدول العربية وغيرها، والتي طالما استفادت من استثمار مليارات الدولارات المودعة بشكل عشوائي في بنوكها تعود لحسابات زعماء تلك الأنظمة هي نفسها وقع في يديها واضطرت على مضض إلى تجميد تلك الأصول. فخسر الحاكم سمعته كما خسر ما اكتنز طوال فترة حكمه.

ويجب الاشارة إلى أن الثورات العربية المعاصرة ليست ثورة طمع في الحكم أو في الثروة. وإنما ثورة نقطة اللاعودة. هناك دائما نقاط تحول مصيرية تمر فيها الشعوب لا يمكن تفاديها. وهذا تماما ما حصل في تونس ثم مصر ثم ليبيا ثم اليمن وما قد يأتي بعدها. نقطة التحول هذه مصدرها الرئيسي هو انقطاع الصلة بين الحاكم والمحكوم لتصل إلى درجة الصفر.

بحيث يصبح الحاكم يفكر وحيدا في واد وشعبه يعيش في واد آخر. وقد لا نلوم الحاكم نفسه بقدر ما نلوم من يحيط به من مسؤولين ووزراء. وطالما كانت الصور التي ينقلها المسؤولون للحاكم وردية كحلم في ليلة صيف هادئ. بينما الواقع كابوس في ليلة شتاء قارس. فثورة شعوب العالم العربي التي نعيشها هذه الأيام هي ثورة لا مفر منها. وكانت ستقع شئنا أم أبينا.

هذه الثورة سوف تشكل منعطفا تاريخيا عالميا. وبدأت تعطي ثمارها. وسوف تثبت لنا الأيام القادمة أن العرب سبقوا الغرب في نوعية الثورة. وقد نسمع غدا أن شعوب الدول الغربية التي تتباهى بالديمقراطية قد أصابتها عدوى ثورة الياسمين.

وربما قرأنا غدا خبرا مفاده أن هناك ملايين المتظاهرين الفرنسيين معتصمون في ميدان النجمة في باريس بغرض تعديل قانون التقاعد، ومثلهم في ساحة الطرف الآخر في لندن بغرض تعديل قانون الرواتب، وهكذا في مدريد وروما وواشنطن وبكين وطوكيو، وقد ينتقل تطبيقها إلى المؤسسات الخاصة الكبيرة والصغيرة كالشركات والإدارات المحلية... وحتى البقالات!!!