لسنوات طويلة كانت حالة الشارع العربي تثير التساؤل كما تثير الشفقة. فحجم التسلط السياسي والفساد المالي وفساد الذمم والرشوة والمحسوبية بالإضافة إلى القضايا الأخرى التي تعاني منها الشعوب العربية كالبطالة والفقر والقهر وغياب المشاركة العامة أهلت الكثير من الدول العربية لكي تكون على قائمة الأعلى والأكثر والأكبر.
وجاء المواطن العربي في قائمة أفضل متفرج على كل ما يحدث من حوله دون أن يكسر حالة الصمت والخضوع التي تميز بها على مدى نصف القرن الماضي، مظهرا حالة من الطاعة والخضوع يحسد عليها. وساهم الإعلام الرسمي في هذه الحالة. فوسائل الإعلام المسيسة كانت تهتف مصفقة لهذا الزعيم أو ذاك وممجدة هذا القائد أو ذاك، مخلفة وراءها وعيا محليا زائفا مرسوما بعناية لخدمة أغراض الأنظمة السياسية أو الإيديولوجيات المتطرفة أو الأحزاب المختلفة أو الطوائف المتناحرة.
الظروف الاقتصادية السيئة والقهر والحرمان وصعوبة الحصول على لقمة العيش، أو الخوف عليها ان وجدت، جعلت المواطن العربي يخضع طويلا ويرضى بالأمر الواقع لأنه أُقنٍع بأن القادم ليس بالضرورة سوف يكون أفضل وبأن «الذي يعرفه خير من الذي لا يعرفه» مقولات شعبية ساهمت في ترسيخ تلك الصورة النمطية القديمة للمواطن العربي وأدامت تلك العلاقة المتوترة بين المواطن والسلطة .
كما ساهمت في إيجاد حالة من الخوف من التغير لدى كليهما. وقد انعكست حالة الخوف تلك في الأدبيات الشعبية عند كل شعب عربي على حدة تمثل أحيانا في أمثال شعبية ومقولات تعبر عما يعانيه الفرد من كبت وتسلط وخوف مبطن من التغير. فالخوف من «زوال نعمة الأمن والأمان» جعلت من التغيير قضية مستحيلة كما جعلت من الخوف زائرا دائم الإقامة في النفوس.
ولكن كما قيل أيضاً ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان خاصة وأن لدى الإنسان مطالب نفسية ومعنوية أخرى. فتوفير حاجات الإنسان المادية من مسكن ومأكل ليس بالضروري أن يكون عنصرا مهما لاستقرار النفس البشرية وضمان ولاء الفرد ورضائه وسكوته عما يدور حوله من أحداث ومؤثرات تؤثر في سير الحياة العامة. فحرمانه من حاجات أساسية للإنسان تضمنها كل الدساتير العالمية وتحميها كل القوانين الدولية، هي في حد ذاتها دافع للثورة على الأوضاع السائدة. فالإنسان قد جبل على الحرية.
وعلى حريات مدنية أخرى كحرية التعبير وحق إبداء الرأي في القضايا العامة المهمة وحقوق المشاركة المدنية هي جميعها حقوق مشروعة وبدونها لن يكون بين السلطة والفرد ولاء نابع عن حب بل خضوع نابع عن خوف. هذا هو سبب الثورات العربية المتلاحقة.
وهو سبب من أسباب فورة الجماهير واحتشادها وراء بعضها البعض في هبة غير مسبوقة أطاحت بكل الصور النمطية القديمة التي صورت لنا الشعوب العربية على أنها شعوب خاضعة، خانعة، خائفة، مقيدة، وصامتة، وأحيانا غير مبالية بما يحدث حولها.
الصورة النمطية الجديدة التي برزت أخيرا أظهرت الشعوب على أنها سيدة قرار نفسها، شجاعة وغير مترددة، متحدة ولا تمثل تيارا بعينه وإنما تمثل نفسها، لا حزبية ولا طائفية. هذه الصورة الجديدة التي ظهرت بها الشعوب العربية أخيرا كسرت كافة الصور النمطية والأطر القديمة وأزالت المتاريس التي نصبتها الأنظمة أمام تحليق الشعوب إلى فضاءات أخرى جديدة لم نعهدها من قبل.
كنا على الدوام نرى الشعوب العربية في طوابير طويلة ولكن كانت طوابير مختلفة: طوابير «العيش» في مصر، وفي طوابير الإغاثة الإنسانية في العراق والسودان، وفي طوابير التصفيق للزعيم في ليبيا، وفي طوابير تقديم فروض الولاء والطاعة للرئيس في تونس وفي طوابير أخرى كثيرة في الدول العربية الأخرى. كلها طوابير تثير الشفقة خاصة في الدول الغنية التي يغذي بترولها العالم بأسره وتنضح أرضها بثروات طبيعية كثيرة.
ولكن الطوابير والتجمعات التي ظهرت بها الشعوب العربية مؤخرا كانت طوابير وتجمعات مختلفة، طوابير جعلت ملايين العرب بل مليارات من بني البشر متسمرة أمام أجهزة التلفاز، وأدوات التواصل الأخرى، في متابعة شيقة لمباراة بين الشعب والسلطة، مباراة محسومة النتائج ومعروف من الغالب فيها في النهاية.
الأحداث العربية الأخيرة تجعلنا نراجع كل الفرضيات العامة والنظريات السياسية العربية التي تدرس في مدارسنا وجامعاتنا وفي إعلامنا الرسمي والتي تحصر حقوق المواطنة في إطار محدد تعتقد بأنها بتوفير ذلك الإطار سوف تضمن ولاء المواطن وبقاء النظام في السلطة. لقد أثبتت الأحداث العربية الأخيرة بأن الأنظمة غير محصنة على الإطلاق من غضب الشعب وثورته متى ما سلبت منه حقوقه المدنية.
كذلك تثبت أن المواطن العربي بصورة عامة قد وصل إلى مرحلة من النضج والوعي السياسي أكثر بكثير مما تعتقده الأنظمة. ولذا فإن بناء علاقة جديدة قائمة على الأخذ في الاعتبار هذه العوامل والمستجدات مجتمعة سوف يصب في المصلحة العامة للوطن والمواطن.
لقد مهدت «ثورة» التقنيات والمعلومات الحديثة الأرضية لثورات الشعوب العربية وأصبحت الثورة التقنية أكبر عامل مساهم في كسر الكثير من الصور النمطية الاجتماعية والإعلامية القديمة كما ساهم في بروز صور نمطية حديثة سوف تغير وجه العالم بأسره. لذا فقد أن الأوان للتأكيد على وجوب قيام علاقة صحية جديدة بين الأنظمة والشعوب، علاقة ايجابية قائمة على احترام حقوق الإنسان وكرامته وقبل كل شيء احترام عقله وتفكيره وقدرته على النظر إلى الأمور بمنظار مختلف عن ذلك المنظار القديم.