يعاني المصابون بضعف الذكاء الجغرافي Low geographical IQ أشد المعاناة من معرفة الجهات في أي مكان يتواجدون فيه، وكثيرا ما نسمع منهم عبارات من مثل، كنت ذاهباً إلى جميرا فإذا بي في طريق عمان، أو أردت الشارقة فضعت في القوز، أو دخلت مول ابن بطوطة ولم أعرف كيف أخرج، إن استيعاب هؤلاء للخارطة صعب أيضاً، وعبثاً يحاولون فك شيفراتها وفهم الفرق بين الطرق الخارجية والداخلية فيها، الطريف أنهم ليسوا أغبياء بل منهم عباقرة.

ولكنهم أغبياء جغرافيا، وربما كان غباؤهم الجغرافي ناتجا عن شدة ذكائهم، الذي يظل مصرا على صورة أشمل للمكان توضح لهم الفرق بين الإحساس والمعرفة، الحس عندهم فوق العلم كما يبدو! إنهم أكبر صرخة في وجه الخرائط ويكادون لا يعترفون بها، بينما بالمقابل هناك من لا يتحرك إلا بخارطة، ولكن المؤكد هو أن الخارطة ليست الموقع!

من طرائف ما قرأت مرة أن أحد العلماء كان قد ألف كتاباً عن الحج يوضح كل صغيرة وكبيرة فيه، ولكنه عندما ذهب إلى مكة حاجاً، تاه بين مناسك الحج واحتاج إلى أن يسأل الناس عنها! وأظنه أدرك هنالك الفرق بين أداء الشعائر في منى وبين تدريسها في حلقة العلم، وهو تماماً الفرق بين الخارطة والموقع.

الخارطة تشمل تصوراتنا ونظرياتنا وفهمنا المعد والمسبق للأشياء، ولكننا عند النزول إلى الأرض والبدء في التطبيق، قد نفاجأ بالكثير مما لم نعمل له حساباً، أو لم نتوقع حدوثه وفقاً لخط سير الأحداث، عند بدء الحرب على العراق ظن الكثير من المسيحيين المتدينين أن معركة هرمجدون قد بدأت، بينما كان الكثير من المسلمين يتحدث عن الرايات السود التي بدأت تلوح في أفق العراق وتنذر أو تبشر بملاحم آخر الزمان.

ولم يحدث هذا أو ذاك، وإن كان ذلك لا يمنع أن يكون ما حدث سائراً إلى تلك النتائج، فلا مناص في النهاية من ظهور علامات الساعة كما أنه لا بد من حدوثها، ولكن الخطأ في محاولة استنطاق القدر ما لم يقله بعد، فلسنا نحن من يسمي الأيام قبل بدئها، ويحدد الأحداث قبل نشوئها! وهاهم اليهود، يعلمون علم اليقين بأن نهايتهم الأخيرة والأكيدة في الأرض التي يتجمعون فيها بإرادتهم، ولكن كما قال أحدهم وأظنه موشي دايان: متى؟؟ إنهم سعداء بما يحققونه كل يوم من أذى لنا، لذا فالنهاية على مرارتها لا تعنيهم كثيراً، الخارطة لا تعنيهم، مادام الموقع يعج بقتلانا ويصطبغ بدمائنا مع مطلع كل شمس.

أصحاب نظرية المؤامرة محقون نظرياً في كل ما يقولون غالباً ولكن الناس تنصرف عنهم لسببين، أولها نظرة التشاؤم التي تصبغ حديثهم، وثانيها عدم تحقق رؤيتهم في المدى المنظور، تماماً كمن يظن أن الخارطة الصماء التي يحملها هي تماما الموقع الذي يقف عليه بكل ما فيه من حياة وأحياء، التفاؤل لا يضر أبداً بينما التشاؤم يقتلنا، التشاؤم يحطم نفوسنا وأعصابنا، ويحقق الهزيمة النفسية التي إن حدثت تودع منا! فليت كل كاتب ومتحدث يعي ذلك ولا ينسى أن يبشر ويتفاءل ويستخلص العبر المفيدة من التاريخ، من دون أن ينسى أنه يحدث بشراً حقيقيين لا أطيافاً تلوح من بين سطور الكتب القديمة.

لن نمل من الحديث عن الثورة المصرية مثالاً على الدهشة والإبهار، ودليلا على أن لا شيء يمنع المختلف من الحدوث في الحياة على الرغم من التاريخ والجغرافيا والنظريات، كان الواقع شيئاً لم يحدث في الدنيا، ولم يطابق أية خارطة جاهزة، الحياة توقع الغير متوقع، هكذا قالت الثورة بملايينها الذين ملأوا الشوارع.

تزامناً مع الثورة المصرية خرج لنا شاعر رائع، هو هشام الجخ، يذكرنا بشوقي وحافظ ومحمود درويش، ويكسر خط المستحيل الذي وضعه البعض بنهاية عصر الشعراء العظام في هذه الأمة، جاء هشام من واقع يناقض الخارطة لينفخ بقوة على الغبار الذي أهلناه بأيدينا على كل جميل فينا.

وليكرر بكل بساطة وقوة وصدق وجمال تلك الحقيقة المغيّبة: بلاد العرب أوطاني وكل العرب إخواني، بلاد العرب أوطاني وكل العرب إخواني، هشام يرفض الهزيمة النفسية، ويرسم الخارطة الحقيقية التي تتحقق بوجودها في أنفسنا أولا، كما أنها تنتهي بانتهائها في أنفسنا كذلك مهما فعلنا وحاولنا ونفخنا في الرماد، كل شيء عظيم كان إيماناً في الصدور في البداية، ولا سبب يدعونا لعكس الحال وتقديم كل ما حققناه بإيمان بل ولا زلنا نؤمن به ثمن لقاءات وعربون خرائط. هشام يصر على النصر وهكذا يجب أن نكون.. ما حيينا، لنكون.