تقوم استراتيجية الجمهوريين في أميركا على تقسيم الطبقة المتوسطة والعاملة الكبيرة، من خلال تحريض العمال النقابيين ضد نظرائهم غير النقابيين، والعمال في القطاع العام ضد العمال من غير القطاع العام، وقدامى العمال الذين يوشكون على الحصول على الرعاية الطبية والضمان الاجتماعي، ضد العمال الأصغر سنا الذين لا يؤمنون بأن هذه البرامج ستطبق عليهم، والفقراء ضد الطبقة المتوسطة المندرجة في العمل.

من خلال تقسيم العاملين الأميركيين على هذه الأسس، يريد الجمهوريون أن يعتقد الأميركيون أننا لم نعد قادرين على القيام بما يتعين علينا القيام به كأمة. فهم يأملون صرف الانتباه عن الحصة المتزايدة من إجمالي الدخل والثروة التي يحصل عليها أغنى ‬1٪، في حين يعاني الجميع من نقص الوظائف والأجور. يود الجمهوريون ألا يلاحظ أحد حملتهم لتقديم تخفيضات ضريبية إضافية للأغنياء، وجعل التخفيضات من عهد بوش دائمة، والمزيد من الضرائب العقارية، والسماح للأثرياء بتحويل دخلهم إلى مكاسب رأسمالية بشكل أكبر من أي وقت مضى، بضريبة تصل نسبتها إلى ‬15٪.

وتتضمن الاستراتيجية ثلاثة أجزاء. الاستراتيجية الأولى تجري معالجتها في معركة الميزانية في واشنطن. ففي الوقت الذي يدق الجمهوريون ناقوس الخطر بشأن العجز في الإنفاق، وفي الوقت نفسه تضغط البرامج الشعبية المخصصة للطبقة المتوسطة، فهم يريدون من غالبية الرأي العام الأميركي أن ينظروا إلى أميركا العاملة، باعتبارها لعبة صفرية عملاقة بين الأميركيين العاديين، يتعين على البعض أن يخرج منها خاسراً. لقد وقع الرئيس الأميركي بالفعل في الفخ، من خلال الدعوة لإجراء تخفيضات في ميزانية البرامج التي تعتمد عليها الطبقة الفقيرة والعاملة، والتي تتمثل في معونة التدفئة المنزلية والخدمات المجتمعية والقروض الجامعية وما شابه ذلك.

خلال المواجهة المقبلة بشأن الرعاية الطبية والضمان الاجتماعي، سوف يدفع رئيس لجنة الميزانية في مجلس النواب «بول ريان»، في اتجاه نظام قسائم الرعاية الطبية وبخطة خصخصة جزئية لنظام الضمان الاجتماعي، وكلاهما يهدف إلى جذب الناخبين الشباب من الطبقة المتوسطة.

أما الجزء الثاني من استراتيجية الجمهوريين فتتم معالجته على مستوى الولاية، حيث يتم توجيه اللوم لموظفي القطاع العام على أزمات ميزانية الولاية. لم تتسبب النقابات العمالية في هذه الأزمات في الميزانية، حيث انخفضت إيرادات الولايات بسبب أزمة الكساد الكبير، ولكن الجمهوريين يرون في ذلك فرصاً للسيطرة على نقابات موظفي القطاع العام، وبدأوا بالمعلمين. يسعى حاكم ولاية «وسكونسن» الجمهوري «سكوت ووكر»، وسلطته التشريعية ذات الأغلبية الجمهورية، إلى إنهاء جميع الحقوق النقابية للمعلمين.

أما حاكم ولاية أوهايو الجمهوري «جون كاسيش»، فيقوم بدفع خطة مماثلة من خلال المجلس التشريعي الذي يسيطر عليه الجمهوريون. وبالنسبة لحاكم «نيو جيرسي» الجمهوري «كريس كريستي»، فيقوم بالمحاولة نفسها، حيث قال في مؤتمر محافظ أخيراً: «إنني أهاجم قادة النقابة لأنهم جشعون، ولأنهم أنانيون ولا يهتمون إلا بأنفسهم».

إن تشويه صورة موظفي القطاع العام، لا يستند فقط إلى الكذبة المتمثلة في أنهم المسؤولون عن هذه الأزمات في الميزانية، لكنه يستند أيضاً إلى كذبة ثانية، وهي أن موظفي القطاع العام يكسبون أكثر من العمال في القطاع الخاص. إنهم لا يقومون بذلك، عندما تأخذ في الاعتبار مستوى تعليمهم. في الواقع، انخفضت أجور عمال القطاع العام على مدى السنوات الـ‬15 الماضية، بمن فيهم المعلمون، مقارنة مع أجور موظفي القطاع الخاص من نفس المستوى التعليمي، رغم المميزات الصحية والتقاعد.

ويلاحق الجمهوريون المعلمين وغيرهم من موظفي القطاع العام، بدلاً من أن يدعونا نطلع على أجور المتعاملين في وول ستريت، ومديري الأسهم الخاصة ورؤساء صناديق التحوط، والكثير منهم لن تكون لهم وظائف لولا مبالغ الإنقاذ العملاقة التي يؤديها دافعو الضرائب، وشكّل معظم إقراضهم وممارسات الاستثمار لديهم، السبب المباشر لبداية أزمة الكساد العظيم.

في العام الماضي، حصل أكبر ثلاثة عشر من مديري صناديق التحوط في أميركا، ما متوسطه مليار دولار لكل واحد منهم. حصل أحدهم على خمسة مليارات دولار. وتم حساب الضريبة على جزء كبير من دخولهم بوصفها مكاسب رأسمالية بمعدل ‬15٪، بسبب ثغرة ضريبية ضمنها الأعضاء الجمهوريون في الكونغرس. يجري التعامل مع الجزء الثالث من استراتيجية الجمهوريين في المحكمة العليا، حيث أدت هذه الاستراتيجية إلى تسييس المحكمة أكثر من أي وقت مضى في التاريخ الحديث.

وفي العام الماضي، أصدرت غالبية القضاة حكماً بأحقية الشركات بموجب التعديل الأول للدستور، في تقديم مبالغ غير محدودة من المال للمرشحين السياسيين. وتعتبر مسألة المواطنين المتحدين ضد لجنة الانتخابات الفيدرالية، من بين أكثر الأحكام خضوعاً للتوجه السياسي وغرابة من الناحية القانونية في المحكمة العليا لدينا، واضعة في الترتيب بوش ضد آل غور و«دريد سكوت» ضد ساندفورد! كان «كلارنس توماس» و«أنطونين سكاليا» من بين الذين صوتوا بالإيجاب.

وأصبح كل منهما استراتيجياً نشطاً في الحزب الجمهوري. خلال فترة ما من العام الحالي أو المقبل، سوف يطلب من المحكمة العليا النظر في ما إذا كان قانون الرعاية الصحية الجديد في أميركا دستورياً.. فليراقب الجميع حافظة نقوده. هذه الجوانب الثلاثة من الاستراتيجية الجمهورية، يتناسب كل منها تماماً مع الآخر، وهي تضع العاملين الأميركيين العاديين كل في مواجهة الآخر، وتصرف الانتباه عن تركيز غير مسبوق للثروة والسلطة في الشرائح العليا من المجتمع. فما هي الاستراتيجية الديمقراطية للتصدي لهذا، واسترداد أميركا لباقي الأميركيين؟