هناك سجال محموم يدور في الأروقة العالمية بين المعنيين بتطوير مصادر الطاقة البديلة، وبين المهتمين بتأمين مصادر الغذاء ولا سيما من الحبوب.

منظمة الأمم المتحدة للزراعة والأغذية (فاو) رصدت حدوث نمو مذهل في الطلب على حبوب الغذاء، بالنظر إلى انضمام نحو ‬80 مليون فم جديد كل عام إلى سكان العالم.. هذا في الوقت الذي تلاحظ فيه تحويل مقادير هائلة من الحبوب إلى زيوت، لاستخدامها كوقود للسيارات والطائرات في ما يعرف بالوقود الحيوي. وهي تقدر أن ما يقرب من ثلث محصول الولايات المتحدة من الحبوب ـ البالغ نحو ‬400 مليون طن عام ‬2010 ـ قد تم توريده إلى معامل إنتاج صممت خصيصا لهذا الغرض.

وتؤكد الفاو بشيء من المرارة، أن أسعار الغذاء التي بلغت أوجها في ‬2010، مؤهلة للتفاقم بسبب هذا التوجه الصناعي، وكذا بسبب التغيرات البيئية كارتفاع حرارة الأرض، والنضوب المحتمل للمياه الجوفية التي كثر استخدامها في ري محاصيل لطالما اعتمدت على مياه الأمطار.

على جانب آخر، ليس ثمة ما يشير إلى أن توقعات الفاو المقبضة تلقى الأصداء التعاطفية المناسبة لدى دوائر المال والأعمال والصناعة، وخاصة في الولايات المتحدة أكبر منتجي الحبوب عالميا.. فهذه الدوائر تمضي قدما في مشروعها للتعجيل بإنتاج الوقود الحيوي، غير عابئة بالتداعيات الكارثية التي تنتظر الشعوب المستوردة للحبوب. ومؤخرا أكد دارين مورغان، المدير في شركة بوينغ العملاقة، على أن استخدام هذا الوقود على المستوى العالمي تجاريا، بات وشيكا في ظل التطورات المتسارعة الرامية لاستبدال الطاقة النفطية.

ضمن المبررات التي يسوقها مورغان ورهطه، أن المنتج العتيد سيكون نظيفا وصديقا للبيئة، كما أنه سيعتمد على زراعات تروى بماء البحر، ومن ثم فإنه لن يضر بحصة البشر من حبوب الغذاء ولا بمخزون المياه العذبة.

واضح أننا بصدد موقفين متعاكسين. ومن أجل شحذ الذاكرة، نشير إلى أن هذا التعاكس، تلصص أول مرة عندما كشف النقاب عن محاولات تطوير تقنيات إنتاج الوقود الحيوي، وذلك في ذروة الحديث عن أزمة الغذاء العالمية قبل عامين. وقتذاك ثار الكثيرون ضد تحويل طعام البشر إلى زيوت تسير آلات الاحتراق الداخلي، فيما لا يجد أكثر من مليار إنسان قوت يومهم. وعلى الرغم من الاحتجاجات والاستعطافات الإنسانية التي سيقت في إطار ذلك الجدل، إلا أنها فشلت في إثناء كبار منتجي الحبوب عن توجههم. والأرجح أن ينتهي هذا الجدل راهنا إلى النتيجة ذاتها.

أكثر ما يشغلنا بين يدي هذا الاستعصاء، هو أن عالمنا العربي في طليعة المناطق المرشحة للمعاناة من عواقب انتصار رؤية هؤلاء المنتجين، وذلك على أكثر من صعيد..

ففي غير دولة عربية، كالعراق وسوريا واليمن والسعودية.. توشك آبار المياه التي استهلكت في ري الحبوب طويلا، على الجفاف. وتقول تقارير الفاو إن «..الشرق الأوسط أول منطقة سيؤدي فيها نضوب المياه الجوفية إلى انكماش هذه المحاصيل...». وإذا كان معظم الدول العربية في طليعة مستوردي الحبوب أصلا، فإنها ستكون مكرهة عما قريب على تخصيص نفقات أكبر لهذا الغرض، وبالتداعي ستخضع أكثر فأكثر لشروط المنتجين.. ولا ضمانة لئلا تنطوي هذه الشروط على إجحافات مالية واقتصادية، وليس من المستبعد أن يستطرد المنتجون إلى فرض إكراهات من طبيعة سياسية. لم لا ونحن نتحدث عن سلعة استراتيجية؟

ثم إن العرب معنيون من قبل ومن بعد بالتناظر أعلاه، لكونهم من كبار منتجي النفط، الذي يراد استبداله بالوقود الحيوي أو تضييق مساحة الاعتماد عليه!

عموما فإن التقارير العالمية ذات الصلة بإنتاج الحبوب وتسويقها واستهلاكها، تنذر أمتنا العربية بأوضاع غذائية مأزومة، حتى لا نقول كارثية.. إلا أن معطيات الواقع العربي في هذا السياق، لا تبدو قاتمة بالمطلق، فهذا الواقع يزخر بكل العناصر اللازمة لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الحبوب (الأرض والمياه والعمل والمال والخبرة...). لكن تفعيل هذه العناصر يقتضي وجوبا، مقاربة القضية بمنظور وحدوي أو في الحد الأدنى تعاوني. وليس على الساعين حقا وصدقا إلى معالجة جذرية لهذه القضية، سوى مراجعة الأدبيات الموصولة بالتكامل الاقتصادي العربي، والمتحرقة إليه منذ منتصف القرن الماضي!