تنهي عملية تشكيل الحكومة التي كلف بها الرئيس نجيب ميقاتي، شهرها الأول (تم التكليف في ‬25 يناير) وقد ازدادت الأوضاع غموضاً واستعصاء على الحل. فليس واضحا طبيعة الصيغة التي سترسو عليها الحكومة؛ هل تكون مختصرة من عشرة وزراء، أم متوسطة الحجم من أربعة وعشرين وزيراً، أم موسعة فضفاضة من ‬30 وزيرا أو ما يزيد إلى حدود ‬32 وزيراً؟

ليس واضحاً هل تتشكل من سياسيين يمثلون القوى السياسية في ‬8 آذار وحدها، أم مطعمة بعدد من التكنوقراط (على أن التكنوقراط اليوم المتداولة أسماؤهم ذوو انتماءات سياسية أيضاً)، أم تكون تكنوقراطية في غالبيتها مطعمة بعدد من السياسيين؟

ليس واضحاً هل ستبصر النور بعد عودة الرئيس العماد ميشال سليمان من جولته الخارجية، أم بعد انقضاء مناسبة ذكرى الاحتفال باستشهاد الرئيس رفيق الحريري في ‬14 مارس، أم بعد إعلان المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الحريري ورفاقه بيانها الاتهامي الأول، الذي يتوقع أن تليه بيانات اتهامية لاحقة إلى حين اكتمال النصر الاتهامي؟

هل تكون حكومة من لون سياسي واحد (‬8 آذار)، أم ينجح الرئيس ميقاتي في إقناع مكون واحد أو أكثر من مكونات ‬14 آذار بالمشاركة فيها (على شبه استحالة الأمر كما تؤكد مصادر ‬14 آذار وتعلنه مواقفها)، أم تتشكل بصورة مختلطة بين ‬8 آذار ووسطيين محسوبين على الرئيسين سليمان وميقاتي، وممثلين للنائب وليد جنبلاط الذي بات انحيازه إلى ‬8 آذار معلنا ونهائيا؟

هل يحقق العماد ميشال عون مطلبه بتشكيل حكومة يدين وزراؤها المسيحيون بالولاء الكامل له، خصوصاً بعد انكفاء فريق ‬14 آذار عن المشاركة؟

هل ستضم الحكومة كتلة وزارية (وزيرين في أقل تقدير) محسوبة على رئيس الجمهورية، أم يحرم سليمان من أي تمثيل وزاري كما يطالب العماد عون؟

هل يفوز العماد ميشال عون بالوزارات التي يطالب بها، وخصوصاً وزارة الداخلية التي كان يشغلها وزير موال لرئيس الجمهورية، أم يتدخل «حزب الله» ومن ورائه سوريا للضغط على عون تسهيلا لتشكيل الحكومة؟

كلها أسئلة ما زالت الإجابة عنها مستعصية حتى اليوم، رغم توالي الاجتماعات اليومية بين ميقاتي والقوى السياسية الرئيسية في البلاد، فلماذا هذا التسويق والتباطؤ في التشكيلة وما هي أسبابه الظاهرة والمضمرة؟

من خلال استقراء المواقف التي جاءت بالرئيس ميقاتي رئيساً مكلفا، بعد إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري، يمكن صياغة إجابات أولية:

أولا؛ لا يبدو أن ثمة رغبة لدى قادة هذه الكتل السياسية في إنضاج سريع للحكومة، ربما لخشيتها من أن يكون تشكيل حكومة من لون واحد قبل مهرجان ‬14 آذار الذي يتوقع أن يكون حاشداً ومميزاً، مادة إضافية لدى خطباء وسياسيي ‬14 آذار، يستخدمونها في الهجوم السياسي والإعلامي على الرئيس نجيب ميقاتي. كما لا ترغب هذه الكتل في الوقت نفسه، في أن تكون الحكومة الجديدة المحسوبة عليها، هي من يستقبل إعلان القرار الظني للمحكمة الدولية. بل يؤثر ميقاتي نفسه أن تكون الحكومة المستقيلة المستمرة في تصريف الأعمال (حكومة الحريري)، هي من يستقبل القرار الظني الذي يتوقع صدوره في مارس الحالي، بحيث لا يواجه ميقاتي الصدمة الأولى التي ستترتب على مضامين القرار الاتهامي، الذي تشير التقديرات والتسريبات إلى أنه سيتضمن اتهاما لكوادر في «حزب الله».

كما تشير تقديرات إعلامية وسياسية إلى أن أطراف ‬8 آذار ربما تتريث في انتظار جلاء الصورة الإقليمية، في لحظة سياسية شديدة الحساسية والخطورة، حتى تأخذ الحكومة في تشكيلتها وبيانها الوزاري المتغيرات العربية في الاعتبار.

إلى هذه الأسباب الجوهرية، ثمة أسباب إضافية وراء هذا التباطؤ، أبرزها:

* تراجع ثقة ‬8 آذار بالرئيس المكلف الذي جاء بأصواتها، بعد انضمام النائب وليد جنبلاط وكتلة طرابلس (نائبان) إليها، من غير أن ينفذ استراتيجيتها كما يعلن أقطاب ‬8 آذار أنفسهم في تصرفاتهم العلنية، خصوصاً لجهة ثلاثة أمور:

امتناعه عن الموافقة على تمثيل المعارضة السنية في تشكيلته الحكومية ورموزها الوزير السابق عبد الرحيم مراد، النائب مصطفى سعد، الرئيس عمر كرامي.

‬1 ــ إصراره على تمثيل ‬14 آذار، رغم توالي المواقف من جهتها بعدم الاستعداد للمشاركة في الحكومة طالما أن الرئيس المكلف لم يقدم تعهداً باحترام وتنفيذ موجبات القرار الظني، وإخضاع موضوع سلاح «حزب الله» لمناقشة جدية في مجلس الوزراء أو في هيئة الحوار برئاسة الرئيس ميشال سليمان.

‬2 ــ عدم استعداده للموافقة على طلبات العماد ميشال عون، خصوصاً لجهة اختيار وزير من كتلته لتولي وزارة الداخلية محل الوزير زياد بارود.

‬3 ــ اعتبار حلفاء دمشق أن ميقاتي ينصت إلى «النصائح» الغربية التي يعبر عنها سفراء واشنطن ولندن وباريس، والقاضية بالامتناع عن تشكيل وزارة اللون الواحد، خوفا من ردود فعل مناهضة للحكومة من جانب المجتمع الدولي ومجلس الأمن.

يبقى أن تراجع الاتفاق السعودي ـ السوري واعتبار الرياض أنه بات في حكم المنتهي، لم يضعف علاقات الرياض الوثيقة مع الرئيس سعد الحريري ومكونات ‬14 آذار، بل إن الرياض سارعت إلى إبلاغ النائب وليد جنبلاط قطع علاقتها به، اعتراضا على تسميته لنجيب ميقاتي مرشحا لرئاسة الوزراء عوض تسمية سعد الحريري.

ولعل حسابات ‬8 آذار مدعومة من سوريا، هي وراء التريث في إخراج حكومة «موالية» بالكامل، وإيثار المراهنة على تطور ما جديد في علاقات دمشق والرياض.

وفي الانتظار يستمر لبنان من غير حكومة، وفي ظل احتدام سياسي متصاعد.

كاتب لبناني