علمتني دراسة العلوم السياسية أن اللغة ذات أهمية كبرى في عالم السياسة. فالكلمات وما تحمله من دلالات، لا تطلق جزافا، وإنما يتم انتقاؤها بعناية، للتعبير عن مواقف بعينها دون غيرها. لهذا علينا أن ننتبه جيدا لدلالات الألفاظ التي يطلقها علينا الآخرون.
وفي الخطاب السياسي الغربي ـ وبالذات الأميركي ـ عبارتان تجسدان في رأيي، النظرة الدونية لبلادنا التي ترسخت في السنوات الأخيرة. الأولى؛ هي عبارة «إسرائيل وجيرانها»، والثانية هي «الشارع العربي». ولم تعد أي من العبارتين ـ من كثرة ترديدهما ـ تستوقفان أحدا، رغم ما تنطويان عليه من صلف، وما تنضحان به من عنصرية لا تخطئها العين.
فتعبير «إسرائيل وجيرانها» يعتبر منطقتنا العربية، بكل ما فيها من شعوب وتاريخ وثقافة، مجرد محيط جغرافي لإسرائيل. فالأخيرة هي التي تتمحور حولها كل التفاعلات، وهو ما يعني أن كل ما يحدث عندنا، لا يجوز التعامل معه إلا من منطلق علاقته بإسرائيل ومصالحها. وهو منطق فاسد ينضح بالعنصرية. ففضلا عن أن إسرائيل ليست محور المنطقة ولا يحزنون، فإنه لا يجوز تحويل الملايين لمجرد أرقام على رقعة جغرافية محيطة بدولة أيا كانت.
والتعبير الثاني الذي لا يقل فجاجة، هو تعبير «الشارع العربي». والحقيقة أن هذا التعبير التقطه الغربيون، للأسف، من أفواه بعض العرب، ثم ردده بعضهم بدهاء وهم يعلمون دلالاته السلبية في ثقافتهم. «فالشارع العربي» في لغتنا العربية الجميلة، تعبير ليست له دلالة سلبية. فهو تعبير يستخدم عادة كاستعارة، في معرض الإشارة إلى رأي عامة الناس أو إلى ما يوجد بشأنه توافق شعبي. لكن بعض المتحذلقين العرب، الذين يتحدثون الإنجليزية كالترجمان الذي يردد الكلمات دون أن يعي معانيها، ترجموا التعبير حرفيا إلى اللغة الإنجليزية وغيرها من اللغات الأخرى، وهم يجهلون دلالة التعبير في الثقافات المغايرة، ثم راحوا يرددونه بثقة يحسدون عليها، في حوارات الصالونات المكيفة مع الخواجات، فإذا بالخبثاء من الغربيين يتلقفون التعبير، فهو بالنسبة لهم بمثابة هدية جاءتهم على طبق من فضة!
فترديد ذلك التعبير، بعد أن استخدمه العرب أنفسهم ودون اعتراضهم، ينقله للقاموس الغربي ويحوله إلى مصطلح شائع الاستخدام، رغم ما ينطوي عليه من الازدراء لشعوبنا والاستهانة بها. فعلى عكس اللغة العربية، فإن كلمة «الشارع» لا تستخدم في اللغة الإنجليزية للإشارة باحترام لآراء الناس. فمن بين كل المترادفات المشابهة في الإنجليزية، فإن كلمة الشارع تحديدا لا ترتبط إلا بالحديث عن الدهماء الذين يستخدمون العنف والشغب. لذلك كان ربط «الشارع» بصفة «العربي» مناسبا للغاية لأولئك الذين لا يكنون ودا لأمتنا وشعوبها، وهو بالمناسبة تعبير لا يستخدم للإشارة للرأي العام في أي مكان في العالم سوى منطقتنا.
تذكرت هاتين العبارتين وأنا أقارن بين ردود الفعل الغربية التي صدرت أثناء الثورة المصرية، وتلك التي صدرت بعد انتصارها. فأثناء الثورة كان المصريون مجرد «شارع»، وكانت مصر مجرد «جارة» لإسرائيل، ثم تبدل الموقف بعد الانتصار، فصرنا «مصدر إلهام» للدنيا!
خذ عندك مثلا، المتحدث باسم البيت الأبيض، الذي خرج أثناء الثورة ليقول إن المهم هو أن «تلتزم أية حكومة مصرية قادمة بالمعاهدات الدولية»، أي بمعاهدة السلام مع إسرائيل. والمعنى واضح، فلا يهم نوع الحكومة ولا طبعا ما يريده «الشارع» إياه، وإنما المهم هو أن تلتزم «الجارة» مصر بواجبات الجيرة! والمتحدث باسم الخارجية البريطانية كان فصيحا هو الآخر، فهو قال «نحن نريد ألا تقع مصر في يد المتطرفين. نحن نريد (ولاحظ نحن هذه) انتقالا منظما لانتخابات حرة ونزيهة، ونريد حرية وديمقراطية في مصر». فالرجل، كما ترى سيادتك، لم يكن يتحدث عن مصر، وإنما عن «بريطانيا العظمى»، التي يبدو أن ما «تريده» أهم طبعا مما يريده «الشارع» عندنا!
لكن الثورة المصرية فضحت الذهنية البائسة التي تنتج مثل تلك التعبيرات. فالنموذج الحضاري الذي عبرت عنه تلك الثورة ــ بسلميتها وصمودها، ثم بالرسالة الرمزية التي حملتها بعد الثورة حملة تنظيف الميادين قبل تركها ـ هو نموذج لا يمكن نسبته إطلاقا «للشارع» بالإنجليزية. ومع الإرادة والصمود، باتت مصر عصية على صيغة «الجارة» التي ليست لها قيمة في الحياة، إلا في التصاق أراضيها بكائن آخر.
لكن لعلها فرصة ليكتشف الغربيون أيضا، أن تلك الذهنية مسؤولة عن لخمتهم الكوميدية بامتياز. فلأننا مجرد «جيرانها»، كانت العدسة التي يرون مصر منها أكثر ميلا لمزاعم النظام المصري السابق، من أن الثورة في مصر تسيطر عليها جماعة الإخوان المسلمين، أو أنها قد تحول مصر إلى إيران جديدة.
أربكت الثورة الحكومات الغربية، فضربت لخمة كما نقول بالعامية. وهي لخمة كانت في الحقيقة هدية للعرب جميعا، فهي وثيقة مهمة لا يجرؤ بعدها أحد أن يزعم فضلا، أو يدعي أنه حرر العرب أو شارك في تحريرهم. وهو ما ينطبق أيضا على الثورة التونسية العظيمة.
لكن تلك اللخمة الغربية الكبرى، كشفت عن أنه آن الأوان لرفض الذهنية البائسة، التي تقوم عليها المواقف الغربية وتغييرها.
لكن أحدا لن يغير موقفه منا إلا إذا وجد منا إصرارا على ذلك التغيير، فالإرادة الوطنية هي التي تفرض نفسها فرضا على الجميع. فعلينا أن نسعى من الآن، لأن نرفض أية رؤية أو سياسة تتبناها أية دولة في العالم تعتبر العرب مجرد «جيرانها»، أو تستهين بشعوبنا وبمقدراتنا، تحت أي مسمى.
كاتبة مصرية