تأرجحت مواقف روسيا إزاء ما حدث في تونس ومصر، بين القلق والتحذير من أي تدخل أجنبي في التطورات الجارية، باعتبار أن أي تأثير من الخارج على الأحداث الداخلية في أي بلد، يعتبر أسلوبا غير مجد من شأنه أن يضلل المشاركين فيها. جاء هذا التحذير على لسان ألكسندر سلطانوف المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط، عقب لقائه مع الرئيس المصري السابق حسنى مبارك.

ويمكن القول إن خلافا في تقييم هذه الانتفاضات قد برز في أوساط السياسيين الروس، إذ حذر البعض من خطر وصول الجماعات الإسلامية المتشددة إلى السلطة في مصر وتونس واليمن، بينما استبعد الأكاديمي ورئيس الوزراء الأسبق يفغيني بريماكوف، الخبير في شؤون الشرق الأوسط، أن تعود الدول العربية التي عاشت أحداثا ثورية، إلى تطبيق نظام حكم فردي متسلط من جديد. وأضاف أن «الموجة الثورية» الحالية التي تعصف بالمنطقة العربية، تقودها جماعات غير إسلامية، ومعظمها جماعات شعبية قضاياها تحمل طابعا اجتماعيا، بعد أن كان المجتمع الدولى قد اعتاد على الانقلابات السياسية والعسكرية والصراعات العرقية والطائفية والإثنية، ونسي تقريبا أن هناك ثورات اجتماعية تعكس مطالب عامة للشعوب ومعاناتهم الحياتية اليومية.

ورغم الحوار الحاد الذي سيطر في الأوساط السياسة الروسية، إلا أن الكريملين قرر أن يتخذ منحى آخر تماما، حيث اعتبر أن هذه الانتفاضات تتم وفق سيناريو معد مسبقا. وأعلن الرئيس دميتري ميدفيديف أن الوضع المتفجر في الشرق الأوسط والعالم العربي، والذي يشهد احتجاجات وصدامات بين المعارضة والسلطات، يخدم في النهاية أجندات ومخططات من خارج المنطقة، حتى ولو كان نابعا من الداخل، ويمكن أن يؤدي إلى تفكك دول كبيرة ذات ثقل إقليمي وكثافة سكانية عالية، وإلى وصول المتشددين والمتطرفين من كافة الاتجاهات إلى السلطة، مشيرا إلى أن نفس السيناريو كان مجهزا لروسيا في التسعينات الماضية، لكنه لم ولن يتحقق. وأعرب ميدفيدف عن قناعته بأن الأمر يمكن أن يصل إلى درجة اشتعال المنطقة لعشرات السنين، وانتشار الفوضى والتطرف في المستقبل وفق هذا السيناريو، ودعا للتعامل مع هذا الواقع باعتباره مشكلة كبيرة وعصيبة، تتطلب بذل جهود جدية على مدى فترة طويلة من الزمن. من الواضح أن تقديرات الرئيس الروسي ميدفيدف، جاءت متأثرة إلى حد كبير بالأحداث في روسيا عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، ولكن الظروف في بلدان الشرق الأوسط تختلف إلى حد كبير عن روسيا وبلدان الاتحاد السوفيتي السابق، حيث نلاحظ في الشرق الأوسط تراجعا ملحوظا للأيديولوجيات ونظريات الثورات الشعبية المتعارف عليها، وحتى التيارات الدينية المتطرفة لا نلاحظ لها وجودا بارزا في الثورات الشعبية في البلدان العربية الإسلامية.

ويعود القلق الروسى إلى عاملين؛ الأول هو مساعى الإدارة الأمريكية السابقة التي ترأسها جورج بوش، لتمرير مشروع الشرق الأوسط الكبير، والذي كان من أبرز إنجازاته الحرب ضد العراق، وما أسفرت عنه من دمار الاقتصاد العراقي، وسيادة حالة من الاضطرابات تسببت في إضعاف العراق ووقوعه تحت مخاطر التقسيم إلى ثلاث دويلات تخضع كل منها لسيطرة قوى موالية للغرب. ورغم فشل هذا المشروع وسقوطه، وتراجع الإدارة الأمريكية عنه، إلا أن السياسة الروسية ما زالت ترى أن من حقها الشك في النوايا الغربية، بعد أن تعرضت لحرب طاحنة في شمال القوقاز استهدفت بالدرجة الأولى فصل هذا الإقليم عن روسيا، من أجل إفشال مشاريعها الاقتصادية الخاصة بالسيطرة على طرق نقل الطاقة وعلى منابعها. ويعتبر البعض أن تطبيق هذا السيناريو بشكل كربوني من جانب الدبلوماسية الروسية على تطورات الوضع في الشرق الأوسط، يمثل خللا في تعاطيها مع ما يحدث في الشرق الأوسط، ولا يأخذ بعين الاعتبار الحراك الاجتماعي في بلدان المنطقة، وطبيعة النخب الحاكمة وسياساتها. أما العامل الثاني فهو تنامي قناعة لدى بعض قطاعات دوائر الحكم في روسيا، بأن ما يحدث في الشرق الأوسط يمكن أن يؤدي لسيطرة القوى المتشددة دينيا، والتي ما زالت تهدد أمن روسيا. ويخلو هذا التقييم أيضا من الموضوعية والرؤية العلمية، لأنه يتجاهل حجم التيارات الدينية المعتدلة أو المتشددة في مجمل هذه الأحداث التي خلت تماما من أي شعارات دينية. كما يغاير المنهج العلمي، لأنه يرفض أن يكون النهج الديمقراطي هو السبيل لتصفية الاتجاهات المتشددة، ويتمسك بأساليب القوة والقمع في محاربتها. إن الانتفاضات المتنامية في الشرق الأوسط، تطرح على الدبلوماسية الروسية دورا هاما، يتمثل في التعامل مع مختلف القوى في هذه المنطقة، والانتقال من العلاقة الأحادية مع الأطراف السلطوية، إلى التعامل مع بقية الأطراف. ولعل ذلك سيمنح الدبلوماسية الروسية إمكانية تطبيق مواقفها الداعية للحوار بين مختلف الأطراف، بدلا من أن يكون هذا الموقف مجرد عبارات سياسية بعيدة عن الفعل والتأثير.

 

رئيسة المركز الروسي الحديث لاستطلاعات الرأي