يوشي لنا اليوم العالمي للمرأة بلفتة إنسانية تقديرية رفيعة المستوى، يثمن فيها العالم إنجازات المرأة أينما كانت وكيفما كان عطاؤها. وهذا الاعتراف العالمي بتخصيص يوم للمرأة، جاء عقب كثير من الظروف القاسية التي مرت بها نساء العالم، ولا سيما العاملات منهن، اللاتي خضن حروبا غير منتهية، على مستوى مساواة الأجور وساعات العمل والتمييز الذي أجهض بعضا من أحلامهن في الوصول إلى مراتب أعلى في مختلف الوظائف، الأمر الذي دفع الحركات النسائية في مدن العالم، للخروج والدفاع عن حقوقهن المسلوبة، وتكريما لهذا الدور اعترفت المنظمة العالمية للأمم المتحدة في العام ‬1945 بمنحهن شرف هذا الاحتفال السنوي، الذي يصادف الثامن من مارس كل عام.

وربما يقول البعض إنه قد لا يكفي يوم واحد يخصص للمرأة سنويا، نظرا لثقل الأعباء التي باتت تحملها في هذه الأيام، فهي مطالبة بأن تكون أما وزوجة وموظفة ومربية، وفي أيامنا هذه أيضاً «متظاهرة».. ولا ندري ماذا تحمل لها الأيام من أعباء جديدة، ولكن مع هذه التظاهرات الاجتماعية التي تحدث إبان الاحتفال بها، لا بد أن نضع بعض النقاط على الحروف في سبيل رفعة شأن المرأة بشكل عام، وتعميق تجربتها من خلال نقد هذه التجربة، والتوقف عند بعض التحديات التي تواجهها والتي من شأنها وضع كل إنجازاتها على المحك، ولا نريد المزايدة على ما تدفعه المرأة من ثمن في سبيل المشاركة في دفع عجلة المجتمع، للوصول إلى نتيجة مشرفة تلبي طموح وطنها، ناهيك عن التضحيات التي قد تغلّف مشوارها العملي من الأساس، والذي قد يحول بينها وبين تكوين أسرة أو في بعض الأحيان ترجيح كفة العمل على حساب الأسرة.

وانطلاقا من هذه المعطيات، لا بد لنا من التركيز على تجربة المرأة الإماراتية وتقييمها، ليس بكونها جزءا من تجربة المرأة العربية، بل بما تحمله من خصوصية، بعد سنوات من العطاء وفي ظل تحديات كبيرة كانت ولا يزال بعضها قائما. ولعل الانطلاقة الصادقة لمعرفة مدى نجاح المرأة في أي مجتمع، تأتي من الأرقام التي تعكس مدى نجاحها في المؤسسة الزوجية، وهذا بالضرورة أهم دور رئيسي تقوم به المرأة، لأنه النواة الأساسية التي تبنى عليها المجتمعات، فالأسرة السليمة هي التي تكوّن مجتمعا متماسكا ومتعاضداً ومتينا.

وبمراجعة بسيطة على هذه المؤسسة، نجد أن آخر النسب التي تم الإعلان عنها في حالات انهيار هذه المؤسسة بالطلاق، قد بلغت ‬40٪، وأن هناك نحو ‬18 ألف مطلقة، أما في ما يتعلق بالمؤشر الثاني الذي يرتبط أيضاً بالمؤسسة الزوجية، والذي يعرف بالمربيات الأجنبيات اللاتي يشرفن مباشرة على تربية الأطفال، فإن معدلهن في الأسرة الإماراتية الواحدة لن يقل بأي حال من الأحوال عن ‬98٪، وهذا من خلال مشاهدات حقيقية مبنية على بحث غير موثق، ولكن النسبة تكاد تقترب في جميع البيوت من مربية لكل أسرة، وقد يكون هذا الرقم أضعف الإيمان، لأنه يزيد بزيادة عدد الأطفال في بعض الأسر. المؤشر الثالث يرتبط بدور المرأة في البيت، والذي يتناول تأثير وجود الخدم والمربيات على الأطفال وغياب دور الأم. وقد تناول العديد من الدراسات تأثير دور المربيات في التوافق الدراسي على التلاميذ في دولة الإمارات، وخلص بعضها إلى نتائج مخيفة تعبر عن انسلاخ في كيان بعض الأسر الإماراتية (الأم، الأب، الأطفال).

أما المؤشر الأخير الذي يمكن أن نقيس به دور المرأة الإماراتية في إذكاء الطابع الاستهلاكي في المجتمع، فإنني لم أجد له أي إحصائية، ولكن هناك بعض الأمور تقاس بالعين المجردة، وأترك لكل امرأة تقييم مصروفاتها الشهرية، ومدى توافقها مع راتبها، على سبيل المثال، أو راتب زوجها.

وعموماً، عبر تقييم تجربة المرأة الإماراتية اعتمادا على هذه المؤشرات، سنخلص إلى حقيقة مفادها الفشل الذريع في دورها كزوجة وأم ومدبرة منزلية. وربما هذا الجزء المعتم من صورة المرأة في الإمارات، يكبل كل النجاحات التي حققتها المرأة الإماراتية والتي ستحققها على الصعيد الداخلي والخارجي، وقد يُفشل مساعي تمكين المرأة التي تسعى الدولة جاهدة في سبيلها لرفعة ابنة الإمارات، بمنحها مزيدا من الثقة والحقوق، سواء في مجال العمل أو التعليم، لأن أساس النجاحات في أي مجتمع ينطلق من نجاح الأسرة، وتحديدا في الدور المفصلي الذي تقدمه المرأة في أسرتها، وليس ما تقدمه خارج إطار هذه المؤسسة. وما يؤلم هو تلك المشاهد التي شتّت دور المرأة وحملتها أعباء وظيفية تنوء بحملها الجبال، مما اضطرها للتخلي عن دورها الطبيعي كمربية للأجيال، والتضحية بفلذات أكبادها للأم البديلة، والتنصل من مسؤوليتها أمام الله لتثبت للآخرين أنها امرأة فولاذية تستطيع العمل لساعات طويلة وكاملة، وأيضا قادرة على متابعة دروس أبنائها ومشاكلهم النفسية، والسهر على راحتهم، وتربيتهم على قيم المجتمع والدين والسنع.

المرأة الإماراتية اليوم بحاجة إلى وقفة تعود فيها إلى ما ينقصها في الوقت الحالي، كي تشعر أن الاحتفال بيومها منطلق من تثمين عميق لكونها مؤسسة اجتماعية قائمة بذاتها، وليس كجزء من منظومة روتينية تشغلها عن واجباتها الحقيقية. وما لم يفهمه بعض النساء، هو أن الأسرة هي مملكة فعلية بحاجة إلى رعاية وتدبير، وتفهم عميق لأهمية تأسيس قواعد صلبة تقوم على صناعة الحب وصناعة التربية، والاشتغال بمهنية عالية على تعليم هؤلاء الصغار، الذين باتوا يشحتون الحنان من حضن المربية، فهل يأتي يوم نحتفل فيه باليوم العالمي للمربية؟

 

كاتبة إماراتية