هل هي نظرية الدومينو؟

قامت ثورة شعبية في تونس أسقطت نظام الرئيس زين العابدين بن على، وتبعتها ثورة شعبية أخرى في مصر أسقطت نظام الرئيس حسنى مبارك، وتشهد كل من ليبيا واليمن ثورات شبيهة تسعى إلى إسقاط نظامي كل من الرئيسين معمر القذافي وعلى عبد الله صالح. ويرى بعض المراقبين المهتمين بالعالم العربي، أن ما نشهده حاليا في دولنا العربية هو تطبيق حرفي لنظرية الدومينو، وهي نظرية أميركية ظهرت في النصف الأول من القرن العشرين، كانت ترى أن أي تغيير في دولة من دول أميركا اللاتينية، سوف يؤدى إلى تغييرات مشابهة في الدول المجاورة لها، الأمر الذي يغير من شكل أميركا اللاتينية تماما.

وكانت هذه النظرية هي السبب الأساسي لوقوف الولايات المتحدة في مواجهة أي تغيير ديمقراطي في دول أميركا اللاتينية التي كانت تعتبرها فناء خلفيا لها، ووقفت بالتالي في مواجهة التحولات الاجتماعية والسياسية في هذه الدول، بل وساندت انقلابات عسكرية فيها من أجل وقف تحول هذه الدول إلى الديمقراطية. ولعل أشهر هذه الانقلابات كان في غواتيمالا في خمسينات القرن الماضي، ونفس الأمر حدث في جمهورية الدومينيكان ودول أخرى في القرن العشرين، منها بالطبع تشيلي في سبعينات القرن، والأرجنتين ونيكاراغوا وغيرها في عقود أخرى. وفي السنوات القليلة الماضية، عندما أسفرت الديمقراطية عن تولي حكومات يسارية مقاليد الأمور في أكثر من دولة لاتينية، مثل فنزويلا والبرازيل ونيكاراغوا وبوليفيا، قال البعض إن ذلك حدث انطلاقا من نظرية الدومينو التي عاد الحديث عنها مرة أخرى في العلوم السياسية، بعدما اختفى لعقود طويلة.

وعندما بدأت تظاهرات مصر بعد نجاح ثورة تونس، كتب أكثر من محلل غربي أن المنطقة العربية تعيش تحت تأثير نظرية الدومينو، فهل ذلك صحيح؟

بالطبع، عندما برزت هذه النظرية كانت هناك انتقادات حادة توجه لها، خاصة تلك التي رأت أنها تتجاهل اختلاف الطبيعة الاجتماعية لكل دولة، ودرجة التطور الحضاري والاجتماعي والثقافي، وكان ذلك سببا كافيا عند البعض لدحض النظرية، بل ونفيها من الأساس. ولكن يبدو أن هناك بعض الصحة فيها جعل المحللين يلجأون إليها لتفسير الأحداث العربية الراهنة، خاصة وأنها تقدم تفسيرا منطقيا وسهلا، بصرف النظر عن مدى علميته.

ونستطيع القول إن التأثير الأساسي الذي يمكن أن يتعلق بنظرية الدومينو، في ما يتعلق بالحالة العربية الراهنة وانتشار الاحتجاجات في أكثر من بلد عربي، هو أن نجاح الثورة التونسية على الرغم من وجود نظام تسلطي قمعي بوليسي، قد جعل المصريين يكسرون حاجز الخوف ويدركون أن إسقاط مثل هذه النظم القمعية التسلطية البوليسية، ممكن وبسيط وسهل، لكنه يحتاج فقط إلى إرادة قوية ونفس طويل وتكاتف جماعي، وهو ما حدث في مصر. وعندما نجح التحول في مصر بما لها من دور مركزي عربي، وبما حظيت به من اهتمام عالمي وردود فعل دولية، أعاد الأمل إلى شعوب عربية أخرى مقهورة، كانت تعاني من القمع وسيناريو توريث الحكم وفقدان الأمل في التغيير، وهو ما حدث ويحدث في دول عربية أخرى، وإن كانت لم تتحقق نتائج واضحة لمصلحة الشعوب حتى الآن.

وعلى الرغم من أن ثورة تونس استمرت ‬29 يوما، وثورة مصر استمرت ‬18 يوما، وأن كلأ من اليمن وليبيا لم يستمرا وقتا مقاربا، فإن الوضع في البلدين الأخيرين مختلف تماما، لأن التركيبة الاجتماعية في البدين مختلفة عن كل من مصر وتونس اللتين تتمتعان بدرجة عالية من التجانس الاجتماعي، حيث تلعب القبلية في كل من تونس وليبيا دورا مركزيا، وقد ساعد النظام السياسي على هذا الأمر، من خلال الاعتماد على تحقيق الاستقرار عبر توازنات قبلية وعبر صفقات تعقد مع القبائل، وجعل القبائل الأكثر موالاة هي المسيطرة على القوات المسلحة وقوى الأمن. كذلك فإن البلدين يقعان في منطقتين جغرافيتين من الأكثر نشاطا لتنظيم القاعدة في الوقت الراهن، فمن جهة هناك دلائل قوية على أن وجود عناصر من القاعدة تتمركز في اليمن وتتدرب لدى قبائل يمنية تسيطر عليها العناصر السلفية. أما ليبيا فإنها تقع في مجال عمل تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، وتعد الجماعة السلفية الليبية المقاتلة إحدى مكوناته الأساسية. ويراهن كلا النظامين على أن العالم الغربي سيقف معه حتى لا يستفيد تنظيم القاعدة من التغيير الذي سيحدث، وهذا الأمر يختلف جذريا عن كل من الحالتين المصرية والتونسية. ولكن ما قد يجهله أو يتجاهله البعض، هو أنه قد تكون لدى الغرب بدائل مختلفة، خاصة وأن استمرار الأزمة والفوضى يمكن أن يفيد القاعدة في كل من اليمن وليبيا.

وهناك من يشبه ما يحدث في العالم العربي حاليا، بما حدث في أوروبا الشرقية عام ‬1989 والذي شكل ما يطلق عليه الموجة الثالثة للتحول الديمقراطي، وقد تم تشبيهه هو الآخر بنظرية الدومينو. ولكن هناك اختلافا كبيرا بين النموذجين، في أن دول أوروبا الشرقية التي أسقطت نظمها كانت تتشابه في أمرين هما؛ النظام السياسي القائم على الحزب الواحد، وأن درجة التطور الحضاري والاجتماعي كانت متقاربة إلى حد كبير.. وهو أمر مختلف عن وضع العالم العربي في الوقت الراهن.

كاتب مصري

تعليقات

تعليقات