في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر من عام 2001، أطلق الكاتب والإعلامي الأميركي «فريد زكريا» تساؤلا مثيرا في الأجواء الفكرية الأميركية والدولية، تساؤلاً لا يوفر قدرا كبيرا من الاتهامات، عندما قال: «لماذا يكرهوننا؟»، والمقصود هنا ولا شك العرب والمسلمون.
والشاهد أنه حتى الساعة لا يزال هذا السؤال حائرا، فهناك على الجانبين من يتخذ مواقف حدية ويقسم العالم، كما الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، تقسيما مانويا، بمعنى وجود معسكرين متقابلين ومتضادين، معسكر للخير وآخر للشر، وما من مساحة رمادية في المنتصف.
غير أنه في واقع الحال، تبقى هناك محاولات صادقة جادة لتحليل المشهد تحليلا علميا، وباستخدام الأدوات المعرفية من أجل بلورة رؤية واقعية لحقيقة تلك العلاقات المضطربة.
في هذا السياق يأتي حديث البروفيسور «جيمس زغبي»، رئيس المعهد العربي الأميركي، عبر كتابه «أصوات عربية.. ما الذي يقولونه لنا ولم إذا هو مهم؟».
غرض زغبي الرئيس في هذا العمل المتميز، هو تصحيح ما اختلط من مفاهيم وتصويب ما التبس من معتقدات بين الجانبين.
يصف زغبي عمله الجديد بالقول «إنه ليس إعادة سرد للتاريخ ولا مجموعة من القصص الشخصية، صحيح أن هذه المقاربات يمكن أن تكون مفيدة، وهناك أمثلة ممتازة ساهمت مساهمة حقيقية في فهمنا على نحو أفضل لدى الآخر، ولكنها قد تكون في الوقت نفسه عرضة للانحياز أو ما أسميه العلم السيئ».
والشاهد أن هناك إشكالية حقيقية ذائعة في الإعلام الأميركي أو غالبيته، وتتعلق بالتعميم؛ فهناك كتاب يجنحون إلى رفع ملاحظة أو حوار عارض إلى مستوى الاستنتاج أو الخلاصة العامة القابلة للتعميم، مثل توماس فريدمان عبر صفحات النيويورك تايمز.
نقطة الانطلاق عند جيمس زغبي، هي البناء على بيانات متصلة، مستخلصة من أكثر من عقد من استطلاعات الرأي التي أجرتها «مؤسسة زغبي انترناشيونال» التي يمتلكها مع شقيقه الأكبر «جون زغبي» في واشنطن، وحين يستعمل قصصا شخصية في كتابه فإنما يفعل ذلك لكي «يضع اللحم على العظام»، أما الأرقام فمن أجل المساعدة على سرد القصص المتعلقة بالعرب الذين يجب على الأميركيين أن يفهموا واقعهم.
مثيرة جدا الأفكار التي يستخدمها زغبي في كتابه، وهي أقرب إلى أفكار فيلسوف التفكيك «دريدا»، فمن خلال استطلاعات رأي نحو أربعة آلاف مواطن عربي، من المغرب إلى الإمارات العربية المتحدة، وعبر أسئلة متباينة، وعينات متنوعة للمستطلعة آراؤهم، يمكن تقديم صورة علمية موضوعية عن العرب الأميركيين، صورة تنافي وتجافي الأساطير الشائعة عن العرب في مخيلة وأذهان الأميركيين، ومنها:
1 ــ الأسطورة الأولى المهيمنة على العقلية الأميركية، هي أن العرب «قطيع واحد» شبابا وشيوخا، رجالا ونساء، مصريين وسعوديين، سودانيين وفلسطينيين، والمسؤول الأول عن هذه الخلفية الذهنية هم قادة الفكر والإعلام هناك، فمن يقرأ كتاب رافايل باتاي عن العقل العربي أو كتاب توماس فريدمان عن «قواعد الشرق الأوسط للتقيد به»، يخلص إلى القول بأن العرب طينة واحدة، وهو أمر تنفيه أجوبة استطلاع الرأي.
2 ــ هل هناك عالم عربي أم لا؟ في تقرير لمجلة الإيكونوميست البريطانية، نجد محاولة واضحة لتمييع هذا الحضور ووصفه بالهلامي، رغم وجود عرق واضح ولغة موحدة عربية وإن اختلفت اللهجات، إضافة إلى دين واحد سائد، حتى المسيحيون العرب هم مسلمو الثقافة بذات الفعل والمخاوف والأحلام التي تكاد تكون واحدة، وربما كانت فلسطين مثالا على ما يجمع العرب من قضايا عامة.
3 ــ هل كل العرب يكرهون الأميركيين؟ واقع الحال كما وضح عبر استطلاعات الرأي، هو أن هناك شرائح عربية واسعة ربما لا تتعاطى السياسة، معجبة لا بالمدنية أو التقدم التكنولوجي الأميركي، بل بأنموذج الحريات والديمقراطيات وبالدستور الأميركي وبمبادئ الآباء الأول المؤسسين لأميركا.
4 ــ هل العرب جماعة دينية متعصبة؟ ينفي زغبي ذلك عبر قراءات استطلاع الرأي، وعنده إن كان العرب متدينين فإن الغرب مليء بالمؤمنين، وإن كانت المساجد ممتلئة فالكنائس في الغرب كذلك، وفي مقدمة ما يشاهده العرب كما الغرب المسلسلات الاجتماعية والأفلام، وعندما نطلب من العرب ترتيب انشغالاتهم وبواعث قلقهم، فإن اللائحة تتصدرها، وعلى نحو غير مفاجئ، جودة عملهم وعائلاتهم.
5 ــ هل العرب والمسلمون أناس يعيشون في التخلف الفكري والسياسي رافضون لأي إصلاح أو تجديد أو دمقرطة؟ وهل دينهم يحثهم على ذلك؟
بالعكس من ذلك، تجيء استطلاعات الرأي خلافا للأسطورة التي روجها المحافظون الجدد، وكانت الأساس الواهي الكاذب الذي بنوا عليه دعواهم لغزو العراق، وهي إقامة نظام جديد ونسف النظام القديم والعكس.. فقد اتضح أن العرب والمسلمين يريدون إصلاحا وديمقراطية، ولكن بحسب معاييرهم الاجتماعية ومقاييسهم الفكرية، وروحانياتهم الدينية.
هذه لمحة سريعة عن الأفكار المغشوشة التي يظنها الأميركي العادي في كل ما هو عربي... و إذا كان طرح القضايا كما قلنا أكثر من مرة، يبدأ من الذات وليس من الآخرين، فما الذي يمكننا عمله حتى يفهموننا ولا يعودوا هم يكرهوننا؟