انشغلنا بالصراع الذي تدور رحاه هذه الأيام في طرقات تونس ومصر وليبيا واليمن، وغفلنا عن أمر في غاية الخطورة. ويتمثل هذا الأمر في إغفال أمرين مهمين، وهما: من المتسبب في وصول هذه المجتمعات بشكل مفاجئ إلى هذه الدرجة العالية من الانفجار؟ ثم من كان يدعم في السر تلك الأنظمة التي سرعان ما انهارت؟
صحيح أننا اليوم مشغولون بالحدث، لأنه أمر جديد على العالم العربي، ويمثل انعطافاً هاماً في تاريخ الشرق الأوسط، وسوف تتغير بعدها أنظمة أخرى لا يمكن لها أن تصمد طويلاً بعد أن اكتشف العرب قديما رقم الصفر واليوم توصلوا إلى طريقة جديدة لتعديل أوضاعهم وتحقيق مطالبهم حتى سجلت ضمن براءات الاختراع التي توصل إليها العالم العربي وبدأ تطبيقها في عدة دول عالمية أخرى، وكما اخترع منتظر الزيدي العربي الهوية عام 2008 ظاهرة قذف الحذاء في وجه رئيس أقوى دولة في العالم، إلا أن الأهم في نظري هو تتبع خيط أريان للوصول إلى السبب وليس إلى النتيجة.
نحن لا نلوم زعماء الدول الذين سقطوا أو من ينتظر، ولكن يجب المطالبة أولاً بمساءلة من كان يدعم هذه الأنظمة من خلال تأييدها للأخطاء التي كانت ترتكب في حق شعوبها وجرجرتها للتعامل معها بالطريقة التي أوصلتهم إلى ما وصلوا إليه.
لما يؤسف له، فإن تلك الدول التي أغرت هؤلاء بالتمسك بالسلطة في دول معظم دساتيرها جمهورية، وتنص صراحة على اختيار الرئيس بالانتخاب، هذه الدول المتحضرة أصبحت في موقف لا يحسدها عليه أحد بعد أن عجزت عن إنقاذ تلك الأنظمة التي رعتها. بينما كانت في السابق تدعمها بكل ما أوتيت من قوة لتأمين سلامة طرقها التجارية. ولم تكن تتصور أن شعوب العالم العربي لا تختلف عن شعوب العالم الغربي من حيث الشعور بالظلم وبالقهر وبالجوع والخوف، وأنها هي أيضا قادرة على فرض تغيير واقعها كما غيرت الثورات الغربية على مدى التاريخ حال شعوبها.
الغريب في الأمر أن دولاً في غنى عن التعريف تتباهى بأنها أول من قامت لديها الثورات لقلب النظام الملكي وتقيم مكانه نظاما جمهوريا ديمقراطيا، هي نفسها من تغري بعض الأنظمة في بعض الدول العربية بالاستمرار في ارتكاب الأخطاء ومنها قمع شعوبها وتجويعه للبقاء على ما هي عليه من الضعف لتأمين مصالحها الاقتصادية، غاضة البصر عما يرتكب في حق شعوب تلك الدول.
قد يقول قائل، بأن تلك الدول، التي تطلق على نفسها دول العالم المتحضر، ليس من شأنها التدخل أو الاعتراض أو انتقاد أو تغيير النظام في أي دولة من دول العالم. غير أن هذا الاعتراض مردود عليه. فقد أثبتت الأحداث بأن هذه الدول لا تعترف بمثل هذه المبادئ، بل بوسائلها الخاصة في حماية مصالحها الاقتصادية والتجارية متخذة من فكر نيكولا مكيافيللي (الغاية تبرر الوسيلة) مبدأ عاما لتحقيق أهدافها. والدليل على ذلك، أنها فرضت نفسها بالقوة في شؤون العديد من الدول بغرض دعم حركات التحرر فيها ليس لخاطر تلك الشعوب بل لتعزيز مصالحها الخاصة. فهناك إيران وكوريا والعراق وأفغانستان والسودان وفنزويلا وحتى الاتحاد السوفييتي سابقا...
وغيرها كأمثلة على ما نقول. ثم ها هي الآن تبدي دون أدنى خجل تضامنها مع شعوب مصر وتونس وليبيا واليمن التي ساهمت بشكل غير مباشر في ظلمه وقهره، وبعد أن صمتت أثناء الأحداث لتعرف إلى أين تجري الرياح في كل منها لتعلن موقفها بشكل يتسم بالحياء. ثم ألم يكن لها دور في إلغاء نتائج انتخابات الجزائر عندما فاز بها الإسلاميون وكذلك في فلسطين عندما فازت حماس وأسقطت الحكومات التي انتخبها شعب البلدين وفرضت نظاما وجدت فيه حماية لمصالحها وأمن إسرائيل؟ ألا تتدخل الدول الغربية في شؤون لبنان الداخلية وفي فرض كلمتها؟
هناك أمثلة عديدة لا يسعنا المجال لذكرها. وكلها تصب في خانة واحدة: أن الدول الغربية تعتبر نفسها وصية على دول العالم الثالث، وأن لها الحق في تنصيب من تشاء وإزالة من تشاء متى حانت ساعته. وتدير شؤونها بمجموعة من آلات التحكم عن بعد. وأصبح الكثيرون الآن يشيرون بأصابع الاتهام إلى فظاعة السياسات الخفية للدول الغربية في تسيير أمور العديد من دول العالم الثالث، وذكر الأخطاء التي ارتكبت في حق شعوبها من خلال مد هذه الأنظمة بالسلاح ثم بالاستراتيجيات التي تصيغها بغرض حمايتها. بينما كانت هي نفسها تحارب نفس هذه السياسات التي كان يتعامل بها الاتحاد السوفييتي سابقا مع دول شرق أوروبا وأفغانستان وكوريا الشمالية.
أصابع الاتهام هذه تحولت اليوم لدى العديد من المفكرين والمثقفين إلى أفواه وأقلام تطالب بتقديم إلى العدالة ليس فقط الزعماء الذين أضروا بحقوق مواطنيهم، بل أيضا زعماء بعض الدول الغربية المتحضرة التي كانت على علم بما كان يجري وكانت تدعمها بكل أنواع الأسلحة المحرمة دوليا والتي استخدمت في قمع المتظاهرين.
اليوم أسقط في يد الغرب. ولكي يداري خيبته بعد نجاح الثورتين التونسية والمصرية أصبح يقدم لهما يد العون بحفنة من المبالغ المالية تدعو للتهكم لا تتعدى الكم مائة مليون دولار أخضر!! بينما هي تمنح إسرائيل سنويا ومنذ عقود طويلة المليارات من الدولارات والأسلحة المحرمة لاستخدامها في تجويع وقتل وسرقة الشعب الفلسطيني الأعزل! وبمجرد ما أن لمح بارق انقلاب الأمور في ليبيا أصبح ينادي بصوت خجول بحق الشعوب في تقرير مصيرها!
إن القوانين في جميع أنحاء العالم تنص على معاقبة مرتكب الجرم ومن خطط له ومن ساعده في تنفيذه ومن تستر عليه. فهل ستطلب محكمة العدل الدولية من زعماء الغرب المثول أمامها اليوم أو غدا للنظر في دورها في مقتل مئات الآلاف من شعوب الدول العربية والأفريقية على مدى عقود من الزمن، تماما كما يحاسب اليهود الشعوب الأوروبية في دورها فيما أطلقوا عليه الهولوكوست؟