لقد ظلت دول الخليج العربي الأعضاء في منظومة مجلس التعاون الخليجي طوال الثلاثين سنة الماضية النموذج الأبرز في العالم العربي، والأكثر انفتاحاً ونمواً وتطوراً عن باقي الدول العربية، حتى أصبحت بمثابة المثل الرنان والرمز المثال الذي ينظر إليه الجميع بإعجاب وتقدير؛ فقد كانت تلك الدول تتقدم عن باقي نظيراتها العربيات في جميع المؤشرات التنموية والمبادرات الإنسانية. هذه الحالة من التنمية والتقدم ساعدت في تحييد كل الضغوط الداخلية والخارجية التي كانت يمكن أن تبرز كتحد للنظام السياسي الحاكم في المنطقة الخليجية.

ولكن اليوم وبعد الأحداث الشعبية والتطورات السياسية المتعاقبة في المنطقة العربية فإن مستقبل الدول الخليجية ليس من المتوقع أن يبقى على ما هو عليه، بل سيتغير من أجل أن يتمكن المواطن والقيادة السياسية الخليجية من استعادة إحساسهم بأن بلدانهم مازالت في مستوى الريادة والتقدم في كافة المستويات عن باقي الشعوب العربية.

إن الأحداث الجارية والتطورات المتلاحقة في العديد من الدول العربية ستشهد تغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية كبيرة خلال السنوات القادمة. ولعل أبرز الإصلاحات التي يمكن أن يحس بها المواطن العربي في تلك الدول قبل غيرها هي الإصلاحات السياسية، حيث ان تأثيرها سيكون سريعاً لاسيما عندما يمارس المواطن حقه السياسي بشكل حر وعادل في مجال الانتخابات وإبداء الرأي والمشاركة في صنع القرار، أما عن الإصلاحات الاقتصادية فإنها ستتطلب مزيداً من الوقت حتى يحس المواطن بنتاج ثمارها.

في مثل هذه الأوضاع ستستطيع الدول العربية مقارعة بل ومجاوزة الدول الخليجية في مجال الحريات والحقوق السياسية، وعندها لن تصبح نماذج الكويت والبحرين التنموية السياسية هي أكثر النماذج نجاحاً سياسياً في المنطقة العربية، بل ستدخل تلك الدول العربية بقوة في ساحة التطوير والإصلاح السياسي سواء في تغير أنظمتها من شكلها الاستبدادي إلى الشكل الديمقراطي، أو إصلاح أنظمتها لتصبح أكثر ديمقراطية. وعندها لن تستطيع الدول الخليجية مقارعة تلك النماذج، بل ستصبح هناك ضغوط واضحة ــ بعد فترة من مرور الزمن وبروز نجاح النماذج الديمقراطية العربية الجديدة ــ على الأنظمة الخليجية كي تحدث إصلاحات سياسية شبيهة بتلك الأنظمة.

ولعل بداية الضغط على الدول الخليجية ستكون من نجاح النموذج الديمقراطي البحريني في الإصلاح. فنجاح المطالب الشعبية في إحداث إصلاحات سياسية هناك ستشجع شعوب الدول الأخرى القريبة من التركيبة السكانية البحرينية بالمطالبة بمثل تلك الإصلاحات، ففي النهاية العملية أشبه بالعدوى التي أصبحت تجتاح العالم العربي ولن تبقي أحدا محصناً ضدها. فالضغوط على الدول الخليجية نحو الإصلاح ستكون كبيرة.

ولكنها لن تكون شبيهة بالتحركات التي حدثت في الدول العربية الأخرى التي اعتمدت أسلوب التظاهر الشعبي الكبير، ولكن ستكون هناك مطالب داخلية من فئات مجتمعية مختلفة ستمثل ضغطاً على الحكومات الخليجية لإحداث إصلاحات في هذا المجال، أي أن الإصلاح الخليجي والمطالبة به ستكون أكثر هدوءاً من الإصلاح والمطالبة التي تمت أو تتم في الدول الأخرى من العالم العربي.

لذلك فإن خير وسيلة هي اتباع سياسة الاستباق أي استباق الأحداث، بحيث تصبح الدول الخليجية في مضمار سباق مع الأحداث حتى لا تتمكن الأحداث من أن تسبقها. لقد كانت هذه هي السياسة المتبعة من قبل الدول الخليجية طوال السنوات الماضية، ونجحت فيها نجاحاً بارزاً، لكن اليوم نجد أن وتيرة تسارع الأحداث لم تعد كما كانت في السابق بل أصبحت اليوم قوية للغاية وبحاجة إلى التعامل السريع معها. لقد تفاعلت دول الخليج جميعها مع الأحداث وأبدت بعضها إدخال تعديلات اقتصادية إيجابية تصب في خدمة المواطن.

ونعتقد أنها خطوة هامة سيكون لها بالغ الأثر في استمرار حالة الأمن والاستقرار في دول هذه المنطقة. وهذا بالطبع ما نصبو إليه جميعاً. لكن وتيرة الأحداث لا تتطلب التوقف عن إحداث تغيرات اقتصادية وحسب، بل ان التغيرات التي لا بد أن تحدث في الدول الخليجية بحاجة إلى أن تشمل إدخال فكر اجتماعي جديد يعزز المواطنة .

ويلتزم بها فكراً وممارسةً، بحيث لا يحس المواطن بغربة أو تهميش في بلده، بل لا بد أن يحس بأنه جزء هام من هذا الوطن وأنه يكن له ولقيادته كل الحب والولاء. كما أن التغيرات لا بد أن تشمل التطوير السياسي من خلال إشراك المواطن في عملية صنع القرار وعدم تهميش دوره وتركيز عملية صنع القرار في فئة معينة دون غيرها، فالحريات السياسية التي سيتمتع بها المواطن العربي في العديد من الدول العربية جراء التطورات السياسية فيها سيجعل المواطن الخليجي يحس بدرجة من التراجع بعد أن كان ينظر إليه على أنه أكثر تقدماً عنهم في هذا المجال في السابق.

نعم التغيرات والإصلاحات الاقتصادية هي الأهم في اللحظة الحالية كخطوة استباقية أولى في معظم الدول الخليجية باستثناء البحرين بالطبع التي لا بد أن تبدأ بالإصلاح السياسي باعتباره مطلباً ضرورياً في المرحلة الراهنة، إلا أنه بالنسبة للدول الخليجية الأخرى فإن الإصلاح الاقتصادي لن يكون كافياً بعد فترة من الزمن، لذلك لا بد من التفكير الجدي من الآن في العمل على إدخال إصلاحات اجتماعية وسياسية في المجتمعات الخليجية تعيد لها بريقها الذي أصبح قاب قوسين أو أدنى من أن يتم تجاوزه من مجتمعات عربية كانت في السابق في ذيل القائمة. وفي اعتقادنا بأنها سوف تنجح لأن الواقع يثبت بأن أنظمة الدول الخليجية غير جامدة بل صاحبة فكر مرن قابل للتطور وفقاً لمبدأ الشراكة الإيجابية القائمة بين القيادة والشعب.