في معرض التناظر حول بواعث الانتفاضات الشعبية العربية، التي أخذت أبعادا ثورية أطاحت بنظم حكم راسخة، قيل الكثير عن تردي الأحوال الاجتماعية، والقهر السياسي وقمع الحريات، وغياب تكافؤ الفرص، والفساد متعدد العناوين، وارتفاع منسوب البطالة، وتحالفات السلطة مع الثروة..
وقد كانت هذه التعليلات ذات الطبيعة الداخلية المريرة، وما زالت، صحيحة تماما. غير أنه في حمأة الانشداد إليها، شحب الانشغال بالأدوار التي يفترض أن معطيات العلاقات العربية الخارجية ومكانة العرب في النظام الدولي، قد مارستها في إشعال الغضب الشعبى العارم.
ونحسب أن ضيق مساحة الالتفات إلى هذه الأدوار بين يدي المنظرين والمتابعين، لم تتأت عن جهالة حقيقية منهم لأهميتها في تحويل الغليان والسخط إلى حالة ثورية انداحت في الشوارع والميادين، لكن ما حدث هو تأثرهم بالخطابات والشعارات التي رددها المتظاهرون والغاضبون أنفسهم؛ والتي غلب عليها إبراز عوامل التعرية الداخلية. القصد أن التنظيرات المواكبة لأيام الغضب، تمثلت في لافتات المتظاهرين الغاضبين وهتافاتهم وأقوال قياداتهم. وهنا نلحظ أن القليل منها فقط هو الذي ألقى بالا لأسباب الاحتقان العائدة إلى مصادر تتعلق بالخارج، كاستتباع النظم المغضوب عليها للقوى الدولية المهيمنة، واستفحال الاستهتار الإسرائيلي بالعرب، وفشل التسوية الإسرائيلية العربية، رغم التنازلات التي حظي بها الجانب الإسرائيلي خلال العقدين الأخيرين، والتهديدات المحلقة في أفق مسقبل القضية الفلسطينية، ولا سيما تغول عملية تهويد القدس..
عدم التوازن في خطاب الغاضبين الثائرين لصالح التركيز على شؤون الداخل وشجونه، يثير أسئلة عن أسبابه الراهنة وتداعياته المستقبلية. ندفع بذلك مستذكرين كيف أن غضبات المجتمعات العربية وثوراتها في خمسينات القرن الماضى وستيناته، كانت تتعلل عن حق بشدة الضغوط الخارجية ونوازع التحرر من الاستعمار والهيمنة الغربية، والتصدي لإسرائيل والثأر منها نصرة لفلسطين.
هنا يصح الاجتهاد بالإجابة التي تعزو هذا الفارق إلى اشتداد وطأة الإحساس في أيامنا هذه، بالغبن والتفاوت الطبقي المروع اجتماعيا، ونهب الثروات والفساد الكبير اقتصاديا، والاستبداد الطغياني سياسيا.. بيد أن هذه المعطيات توفرت أيضا في المناخات المحيطة بثورات منتصف القرن الماضي، ومع ذلك فإنها لم تطغ على خطابات الثائرين بشأن التحرر من الاستعمار ومواجهة الصهيونية وبقية عناصر الضغوط الخارجية.. الإجابة الأكثر معقولية في تقديرنا، هي أن غاضبي أيامنا هذه وثوارها، ينتمون في غالبيتهم العظمى إلى الشريحة الشبابية، بل ولاحظنا أن بعضهم ربما كان أقرب إلى أوائل مرحلة الصبا والفتوة. وهؤلاء جميعا هم الأقدر على التعامل مع تقنيات العصر وإمكانية تسخيرها في خدمة تلاقيهم وائتلافهم، وهم في الوقت ذاته الأكثر وقوعا تحت طائلة الفقر والبطالة، وعدم وضوح آفاق مستقبلات واعدة لهم على جميع الصعد.
إلى ذلك، ثمة مبررات للاعتقاد بأن هذه القطاعات الشبابية قد تعرضت خلال العقود الثلاثة الأخيرة لجرعات زائدة من غياب الوعي بحجم الهوان العربي في المنظومة الدولية، ولعلها أيضا لا تعرف الكثير عن الصلة الموضوعية بين أنماط القهر الداخلية والخارجية.
وعموما، نحن نجادل بأن هناك من أراد لهذه القطاعات العيش في أجواء من التسطيح الثقافي والإعلام الهزلي، والمناهج الدراسية المجوفة الخالية من الدعوة للصلابة في وحه التحديات الخارجية متعددة المصادر. المفارقة المثيرة في هذا الخصوص، هي أن تحليلات الآخرين ومنظوراتهم، لا سيما في الأوساط الأوروبية والأميركية والإسرائيلية، أظهرت حذقا أكثر في التقاط ما تنطوي عليه التحولات الجارية في الرحاب العربية، من رسائل وإشارات موجهة إلى الخارج، وذلك بناء على إدراك متميز بتأثير الهوان العربي إقليميا ودوليا، على ظاهرة الانتفاض والثورة.
وعليه، توالت نصائح المعنيين من هذه الأوساط، بأن تعيد إسرائيل حساباتها في إطار الواقع الإقليمي الجديد الآخذ في التشكل، وأن تبدي مرونة أكبر في غمرة التسوية مع العرب وإرضاء الحقوق الفلسطينية، بدلا من إبداء القلق والتوتر ومراكمة الاستعدادات العسكرية، والحديث عن مصير معاهدات السلام البارد مع بعض الدول العربية. علينا أن نعترف بذكاء أصحاب هذه المعالجات الاستشرافية بعيدة الغور؛ التي تنشغل بما هو أبعد من اللحظة الراهنة. فنحن نشاركهم الاعتقاد بأن الوقت لن يطول قبل أن يفطن المنتفضون وقواهم الصاعدة، إلى الأواصر القوية بين البحث عن عالم عربي أفضل في الداخل، وبين تصحيح مكانة أمتهم على الصعد الخارجية.