أبرز ما ميز الشارع العربي في البلدان التي تفجر فيها الصراع مؤخراً بين الأنظمة القائمة وشعوبها، هو أن الشعارات التي رفعت والقضايا التي عرضها المنتفضون، خلت من المضمون السياسي التقليدي الذي اعتدنا على سماعه، وألفنا ترديده على مدى عقود من الزمن منذ خمسينات القرن الماضي، وهو ما يتعلق بالقضية الفلسطينية عبر ترديد الهتافات الوطنية المعادية للغرب والمنددة بسياساته، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية.
ظهرت الجماهير الثائرة أمام الملأ بأداء متميز وتنظيم يدعو للإعجاب، باعتراف عالمي، حشدت نفسها بوعي تام من خلال استخدام نوادي التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت، وهو سلاح بالغ الأهمية سبق أن استخدمه الرئيس الأميركي أوباما في حملته الانتخابية، التي جاءت به إلى البيت الأبيض. ركزت هذه الجماهير في نشاطاتها على إبراز سلبيات النظام القائم، وتسليط الضوء على الوجه الآخر الحقيقي له، فعرضت واقع حالها البائس، حيث الفقر وندرة فرص العمل المتاحة أمام الشباب، وتعاظم الفساد المستشري في جسد الدولة، وتعاظم الشعور بالغبن والتمييز ضمن المجتمع نفسه.
والحقيقة أن هذا مؤشر مهم على طبيعة التغيير الذي يجري في الشرق الأوسط، هذه الظاهرة المهمة تؤشر لميلاد نظام جديد، بأطر استراتيجية جديدة لم يألفها الشارع العربي من قبل، وهي الابتعاد عن التركيز على ما كان يعتبر من المشتركات القومية التي تتعلق بالعداء للغرب، وخاصة الولايات المتحدة، والانعطاف نحو واقع الحال، والتركيز على نيل الحقوق، والدعوة للإصلاحات على مختلف المستويات.
الجماهير المليونية الغاضبة في تونس ومصر، لم تعرض على الأنظمة القائمة قضاياها لغرض العمل على دراستها وإيجاد الحلول الناجعة لها، فقد رفضت هذه الجماهير التوافق والتعايش مع الأنظمة القائمة رفضاً قاطعاً، ورفضت الاستماع للخطاب التصالحي الذي تراجع فيه رئيسا النظامين خطوة إثر خطوة أمام طلبات الجماهير. فالجماهير استخدمت هذه القضايا كأدلة جنائية لإدانة النظام، في واحدة من أكبر وأهم المحاكم في التاريخ، محكمة استمدت شرعيتها من رغبة الجمهور وحماسه. وعليه فإن القرار الذي أصدرته هذه الجماهير المحتشدة في شوارع وميادين العاصمتين العربيتين، هو إسقاط النظام القائم وإلزامه بالرحيل. قرار غير قابل للاستئناف وغير قابل للتمييز. وهي حالة مشابهة لما جرى في شوارع المدن الإيرانية، حين ألزم شاه إيران على الرحيل عام 1979.
نظامان عربيان سقطا حتى الآن بطرائق لم يتوقعها أحد، وانفجرت إثر ذلك شوارع عربية أخرى في أكثر من بلد عربي يعاني من الاحتقان، بعضها يطالب بالإصلاح وبعضها الآخر يطالب بإسقاط الأنظمة. واتخذ بعض الأنظمة إجراءات وقائية على وجه السرعة، لتلافي انفجار الغضب الشعبي في شوارعها، وبدأ النظام العربي التقليدي يتهاوى.
إلا أن ملامح النظام البديل في كل من تونس ومصر لمّا يتشكل بعد، فكلاهما يسترخيان في أجواء فترة انتقالية، في حضانة المؤسسة العسكرية التي حرصت على أن تبعد نفسها بعض المسافة عن النظام القائم أثناء الأزمة، ولم تسهم في إسناده، بل تركته لمصيره، تحسباً لدور فاعل ومقبول من الجمهور تضطلع به لاحقاً. وقد ألزمت هذه المؤسسة نفسها بأن تكون راعية لمصالح الجمهور ومطالبه، فهو الذي سيقول كلمته في انتخابات عامة لرئيس الدولة وللمجلس النيابي، نهاية الفترة الانتقالية.
هذه الغضبة العارمة التي شهدتها المدن والعواصم العربية، وهذا السقوط المدوي لأنظمة قمع تجذرت بعمق في المجتمع، يعكسان مدى بؤس النظام الذي جثم على صدور العرب، ومدى هزاله وضحالته وبعده عن روح العصر، ومدى الحاجة لإعادة النظر فيه، خاصة وقد تبين أن أبرز ضحاياه هم الشباب، الثروة الحقيقية للأمة. فقد أدت أنظمة الاستبداد العربية، إلى تغييب الحريات، وانتهاك حقوق الإنسان، وتعاملت مع الإنسان العربي باستعلاء، وأشغلت نفسها بقضايا بعيدة كل البعد عن أحلام الشباب، وبددت ثروات البلاد، وشرعت القوانين لإدامة أوضاع غير طبيعية، وسمحت للبعض بالإثراء على حساب المال العام، ففقدت بذلك شرعية وجودها. ومهما كانت ملامح النظام الجديد في كل من تونس ومصر، إلا أن من المتوقع حال ظهوره وبدء تسلمه للمسؤولية وتعامله مع الواقع الجديد، سيبقى لسنوات طويلة منكفئاً نحو الداخل، وأكثر انشغالا في البحث والتمحيص بسعة وعمق عن مشاكل مجتمعه والسعي لإرضاء الجمهور بمعالجتها، بعيداً عن الاهتمام بالحيف الذي يلحق بالعالم العربي جراء السياسات التي تنتهجها الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة. أبلغ درس أمام النظام الجديد لاستيعابه والاستفادة منه، هو أن يقدر الدور الذي يستطيع جيل الشباب القيام به، ويعمل على الاستفادة من آرائه من خلال اعتبار المنظمات الشبابية، وهي منظمات المجتمع المدني، شريكة في التخطيط والتنفيذ والمتابعة، للقيام بالإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولإعادة بناء مؤسسات الدولة بشكل يضمن إعادة الثقة التي فقدت بينها وبين الشعب، ويضمن كذلك رقابة فاعلة على أداء هذه المؤسسات. لعب الغرب، وبشكل خاص الولايات المتحدة، دوراً إيجابياً لصالح الجماهير الثائرة، عبر ممارسة الضغوط على الحكومات لتجنب استخدام العنف ضد المتظاهرين. وحرص الإعلام الغربي على تغطية الأحداث بتعاطف واضح مع المحتجين. وقد وجد الرئيس الأميركي في هذه الأحداث فرصة لتحسين صورة الولايات المتحدة في العالم، والتي انطبعت في أذهان الناس على أنها الدولة الحليفة للأنظمة المستبدة البعيدة عن نبض الشارع من جهة، وتوظيف موقفه من هذه الأحداث لتحسين فرصه في الانتخابات الرئاسية القادمة من جهة أخرى. الانهيارات السريعة للأنظمة في العالم العربي، تشبه إلى حد ما الانهيارات التي تتالت في أوروبا الشرقية عقب انهيار الاتحاد السوفييتي نهاية القرن المنصرم، مع فارق مهم هو أن سقوط الأنظمة في العالم العربي لا يترتب عليه تغيير في البنية الاقتصادية للدولة، كما حدث في دول أوروبا الشرقية التي انتقلت دولها من نظم اشتراكية إلى نظم رأسمالية، وهي من هذا المنطلق، رغم أنها أحدثت زلزالاً شديد القوة في منطقة الشرق الأوسط، إلا أنها لن تتسبب في هزة تنال من بنية النظام العالمي.