تآلف اللبنانيّون مع مُفرداتهم السياسيّة، حتى أوشكوا أن تصير لهم في السّياسة لُغة خاصّة بهم، كل مفردة لها ما يُقابلها في الرّحلة الطويلة مع الأزمات الدورية، التي تعصِفُ بلبنان منذُ استقلاله الحديث قبل نحو سبع وستين سنة. الأزمات اللُّبنانية ذات الطّابع السّياسي الهادئ، ولّدت ما لا حصر له من الاستعمالات المصطلحية، مثل: التّسوية والحلّ، والعيش المُشترك، والوحدة الوطنيّة. أمّا الأزمات ذات السياق العنيف والمُسلّح، فقد ولّدت ما يُناسبها من استعمالات يوميّة، نظير: الهدنة، وحفظ السَّلم الأهلي، والاستقرار الاجتماعي، وحقن الدَّماء.. وما إليها. الحالة اللّبنانية الآن تأخذ قسطها الوفير من المُفردات السياسية التي ألِفَها اللُّبنانيّون في ما مضى، وهاهم يستأنفونها، ولكن على نشأة جديدة. وفي هذه الآونة وما سبقها على امتداد ثلاثة عقود ويزيد، يحتلّ مصطلح «الوساطة» المساحة العُظمى في القول السياسي اللُّبناني. ومع الجهود المبذولة لترميم الصدع الحاصل في الحياة السياسية، باتت هذه المفردة تستحوِذ على العناوين الكُبرى في القنوات الفضائيّة، كما في الإعلام المسموع والمكتوب.
ما الوساطة، لغة واصطلاحاً؟ وكيف تظهر وقائعها في مجال التّداول السياسي؟
يُقال إنّها كلمة يظهر معناها الحقيقي في كونها حركة مثلثة الأضلاع، بين محايد ومتخاصمَين. ومن ناحية التداول اللفظي، أولت العربية مكانة رفيعة للوساطة فمنحتها الشمول والعمق، في الدلالة اللغوية، كما في البُعد الأخلاقي، وعلى الصعيدين الاجتماعي والسياسي.
في لسان العرب، الوساطة هي المصدر، وهي مهمّة الوسيط، أي الذي يتوسّط بين متخاصمين، والذي هو أيضاً الشريف الحسيب في بني قومه. وقد اكتسبت الوساطة معناها السياسي الاجتماعي، باعتبارها المسعى الذي تقوم به دولة ما أو منظّمة أو لجنة للمساعي الحميدة، بغية التوفيق بين دولتين متنازعتين، وإيجاد تسوية لخلاف قائم بينهما..
وعلى ما تلاحظ كلاسيكيات الفلسفة السياسية، فإنّ للوساطة مواصفات وشروطاً ينبغي على الجهة المعنية أن توفّرها لأجل النجاح في مهمّتها. ومن الشروط المتوافق عليها بين فقهاء القانون الدولي:
ـــ أن تكون الجهة أو الجهات المتوسطة، حيادية بين الطرفين المتنازعين ومقبولة منهما.
ـــ أن تتوفر الرغبة لدى الطرفين المتنازعين بإجراء الوساطة من جانب طرف متوافق عليه.
ـــ أن الدولة الوسيطة تقّدم وساطتها بملء إرادتها، دون أن تكون مرغمة على ذلك.
ـــ أن تكون الدولة، أو الجهة المعنيّة بالنّزاع، حرّة في قبول الوساطة أو رفضها، لأن الوسيط ليس قاضيا يفرض الحلّ الذي يؤمن بعدالته.
ـــ أن نتيجة الوساطة ليست إلزاميّة، ولا يمكن فرضها على الطرفين المتنازعين، كما هو الأمر في التحكيم.
ـــ أن الوسيط يسعى لتهدئة الأمور أو يشترك مباشرة في المفاوضات، ويسعى لتقريب وجهات نظر الطرفين المتبانية، وادعاءاتهما المتضاربة، والتقدم بحلول قد يقبل بها الطرفان دون ضغط أو إكراه، تاركاً لهما ملء الحريّة في الموافقة عليها. ولقد سعت اتفاقيّات لاهاي لعام 1899 وعام 1907، لإرساء قواعد إجمالية تؤدي إلى تنظيم الوساطة واعتبارها مجرّد مشورة غير إلزاميّة.
في لُبنان يرتدي مفهوم الوساطة معنى خاصا. ولأنه بلد التسويات التي تقوم على مبدأ التوازن بين المكوّنات الطائفيّة، فقد تعدّدت وتنوّعت أشكال الوساطة، لتشمَل الوساطات الشخصية والحزبية والعشائرية، فضلا عن الوساطات التي قامت بها أجهزة الدولة بين الأطراف الأهلية المتحاربة، ناهيك عن تلك التي تولّت القيام بها أطراف دوليّة عبر دبلوماسيّيها أو عبر الشخصيات المُنتدبة من مُنظّمات عالمية وإنسانية، أو تابعة للأمم المتّحدة.
ومن الوساطات التي شكّلت منعطفا تاريخيّا في الحياة السياسية للبنان، تلك التي قام بها المبعوث الأميركي فيليب حبيب لتنظيم خروج قوّات مُنَظّمة التّحرير الفلسطينيّة من بيروت، بعد حصارها الشهير من جانب قوّات الغزو الإسرائيليّة صيف عام 1982.
وتبعا« للأزمات المُستأنفة بعد كل تسوية، تعود التوسطات بألوانِها المُتعددة لتشقَّ سُبُلها في الفضاء اللُّبناني المفتوح. وعلى هذا النّحو فقد كرّت سبحة الوساطات والوسطاء بعد 1982، فكانت الوساطة السعودية عام 1984، فالمُبادرة الفرنسيّة في العام نفسه، ثمّ الفاتيكانية عبر المونسيور سلفستري، ثمّ المبادرة السورية أثناء حرب المُخيّمات 1986-1987، فالجزائريّة بواسطة الأخضر الإبراهيمي قبل اتفاق الطائف وبعده عام 1989، إلى مبادرة الوسيط محسن إبراهيم لتسوية الوجود الفلسطيني المُسلّح في الجنوب، مع الدّولة اللُّبنانية عام 1991.
لكن الوساطات لم تجِد نهاية لها إلى الآن. ومنذ إبرام دستور لبنان المُتجدَّد في الطائف قبل نحو عشرين عاما، حَفلَ الحقلان الدبلوماسي والسياسي بنشاط منقطع النظير، تساوقا والأزمات التي عصَفَت بالحياة السياسية الداخليّة، ولا سيّما أزمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما تلا ها، مرورا بالحروب المتناوبة مع الاحتلال الإسرائيلي وذروتها حرب تموز 2006. ولقد بدت الصورة اللبنانية خلال هذه الحقبة، أشبه بدوران لولبي في فضاء مفتوح على الأزمات والتسويات.
ولعلّ مزيّة الوساطة في حروب لبنان، أنها أنتجت هدنا أمنية وسياسية، ولم تُنتِج حلولا ثابتة ودائِمة. فعلى مدى عقود من الحروب الأهليّة والصّراعات المتمادية مع إسرائيل، لم تؤد الوساطات إلى إقفال الملف اللُّبناني، وإنّما أبقته مفتوحا على احتمالات لا حصر لها. وغالبا ما كانت هذه الاحتمالات تفجيريّة مدوّية، وذلك لأنّ الوساطات كانت مجرّد أنشطة تفصيليّة، يجري ترتيبها ضمن محيطات واسعة من التّوتر والاحتقان والحروب الصغيرة والكبيرة. وهو الأمر الذي أثبت أنّ مسار العُنف كان أقوى من قُدرة الوسيط وابتكار المخارج، سواء كان هذا الوسيط شخصيّة سياسيّة مرموقة أم دولة إقليميّة ذات شأن جيواستراتيجي.
إلى الوساطة التقليدية، هناك ما سمي بالمساعي الحميدة، وهذا النوع جرى في لبنان في حالات كثيرة. وقد حصلت المساعي الحميدة بصورة سريّة، واقتصرت على تيسير المفاوضات وتذليل العقبات بين المعنيين. وفي المراحل اللُّبنانية المُتأخَّرة، وخصوصا في الأزمة السياسية المُحتَدَمة الآن، تأخذُ الوساطات طابعا مُعقّدا، بسبب كثافة حضور المُحيط الإقليمي والدّولي كمُؤَثَّر مُتَعدَّد العناصر في الهندسة السياسية الداخليّة في لبنان. وبعد.. أية وساطات ينتظرها اللبنانيون بعد مسلسل الإحباطات السياسية والأمنية التي شهدتها البلاد خلال الشّهور الماضية؟.. ولنا أن نسأل أيضا عن طبيعة الصورة اللبنانية التي ستسفر عنها العاصفة المتجددة للمحكمة الدولية؟
غالب الظن أن طورا متجددا من الوساطات سوف يستأنف، ولو على منبسط سياسيٍ لم نألفه من قبل.