من كان يتابع ما يجري في مصر في السنوات العشر الماضية، كان يلاحظ انهيارا اجتماعيا لا حدود له. وقد كنا نشكو من انهيار الذوق العام وتدهور الأخلاق. ومن زار مصر في عقود سابقة ثم زارها في السنوات الأخيرة، كان يلمس بوضوح أن تحولا جوهريا طرأ حتى على طبيعة المصريين. كنت تتجول في الشوارع فتلمس عنفا ماديا ولفظيا بلا حدود، وترى وجوها متجهمة نسيت الابتسامة، وتلمح عدوانية لا تخطئها العين في كل التعاملات، البسيطة منها والكبيرة.
في السنوات الأخيرة ظهرت أشباح كثيرة لم تكن مصر تعرفها من قبل. فقد شهدت الشوارع فضيحة مدوية، حين انتشرت ظاهرة التحرش الجماعي بالفتيات في شوارع وسط المدينة وفي وضح النهار. وهي الظاهرة التي شغلت العلماء المتخصصين وحيرتهم. وارتفعت بشكل مذهل نسبة الإصابة بالأمراض النفسية. وعرفت مصر الفتنة الطائفية البغيضة، في بلد لم يعرف طوال تاريخه فصلا في السكن أو المعيشة بين المسلمين والمسيحيين. وكانت جريمة كنيسة القديسين في الإسكندرية قد أدمت قلوب المصريين جميعا، قبل أسابيع قليلة. وشهدت مصر أيضا انهيارا في المرافق العامة، ضاعف منه إهمال المصريين أنفسهم لها، وعزوفهم عن الحفاظ عليها.
كنا نشكو من فرقتنا وتشرذمنا، ومن انعدام روح الفريق في أي عمل نقوم به. كنا نعاني من انهيار قيمة العمل، وصعود قيم الكسب السريع والانتهازية. باختصار؛ بدا المجتمع المصري مريضا للغاية، يعاني من عشرات العلل والكوارث، وتسرب للنفوس اليأس من أن يستعيد هذا المجتمع عافيته من جديد.
ثم قامت الثورة، فاكتشف المصريون أن المجتمع كان مريضا بالفعل، ولكن كل تلك الظواهر لم تكن عللا، وإنما كانت أعراضا للمرض الأصلي. اكتشفنا جميعا أن الاستبداد والقهر هو المرض العضال، وأن كل ما دونه كان أعراضه التي أخذت صورة طفح له أكثر من شكل، غطى الجسد المصري فشوهه.
فأنت إذا ما تذكرت ما كان عليه الحال في مصر قبل يوم واحد من الثورة، تجد الدليل. فالعنف الذي كان قد صار سمة غالبة على الشارع في مصر، أصبح بلا أثر عند اندلاع الثورة. فالملايين الهادرة التي خرجت في كل المدن المصرية، أصرت على أن يكون أداؤها سلميا، منذ اللحظة الأولى وحتى النهاية. والعنف المنظم الذي تعرضت له، لم يفلح في استفزازها وإثنائها عن عزمها. وفي ميدان التحرير الذي كان يبيت فيه يوميا الآلاف من شبابنا الأبطال من الجنسين، لم تحدث واقعة تحرش جنسي واحدة.
وحين تخلى جهاز الأمن عن مهمته وتلاشى فجأة، إذا بالمصريين الذين كانوا يشكون من انهيار روح الفريق، يشكلون في ساعات لجاناً شعبية في كل حي في شتى ربوع مصر، لتحل محل الأمن النظامي وتقوم بحماية الأعراض والممتلكات. بل أكثر من ذلك، وسط كل هذه الفوضى، لم تحدث واقعة فتنة طائفية واحدة. وكانت الكنائس يحميها المدنيون المصريون، مسلمين ومسيحيين، مثلها مثل المساجد. بل ويصدق الأمر نفسه على المعبد اليهودي، الذي لم يتعرض لأي سوء طوال الأيام العصيبة التي شهدتها مصر حين تلاشى جهاز الأمن.
وفي خضم كل ذلك، ورغم اللحظات الحرجة التي عاشوها، إذا بروح الفكاهة تدب من جديد في دماء المصريين، فانطلق قاموس هائل من النكات والشعارات، التي راحت تسجل بالفكاهة كل لحظة من لحظات تلك المرحلة الحافلة من تاريخ مصر.
وما إن حققت الثورة انتصارها، حتى قام الثوار في كل أنحاء مصر بحملة لتنظيف الميادين والشوارع التي احتضنتهم طوال ثمانية عشر يوما. وكان مشهد حملة النظافة تلك آسرا للغاية. فلا أظن أن ثورة في العالم قام ثوارها بما قام به المصريون بعد نجاحهم. فهي كانت لحظة احتضان حقيقية لمصر وترابها الغالي، وفعلا تكمن عبقريته في بساطته، وكأن شباب مصر أرادوا أن يزيحوا من على جبين بلادهم، كل ما ألمّ بها من طفح قبيح وتشويه.. كانت لحظة عاد فيها الارتباط بين الأم وأبنائها.
كنت قبل أسابيع قليلة قبل الثورة، نشرت مقالا في صحيفة مصرية كان عنوانه «حين تصبح البلد بلدنا»، قلت فيه إن «عبارة «البلد مش بلدنا» التي صار يرددها الكثير من المصريين، هي جرس إنذار يستدعي الانتباه إلى أن الأوضاع الداخلية من فساد وانهيار لسيادة القانون وإهدار لآدمية المواطن، صارت تمثل خطرا... فتلك العبارة القصيرة التي يرددها المصريون، هي جوهر مسألة الانتماء والهوية. فهي تحكي ببساطة بليغة، كيف صارت لدى الناس قناعة بأن مصر لم تعد للبسطاء الكادحين، ولا حتى للمجتهدين الشرفاء من الطبقة الوسطى الذين لا يملكون نفوذا، وإنما صارت للكبار أو للمفسدين الذين يحميهم انهيار سيادة القانون».
حين كتبت تلك العبارات، كان الأسى يتملكني على ما آلت له أوضاع بلادي. وكنت أحلم بذلك اليوم الذي يشعر فيه المصريون من جديد، أن البلد بلدهم، فإذا بذلك اليوم أقرب مما كنت أتصور.
فاليوم يتحدث المصريون عن بلادهم بلغة مختلفة تماما عن تلك التي كنا نسمعها قبل أسابيع قليلة. اختفت عبارة «البلد مش بلدنا»، وظهرت لغة أخرى هي لغة المواطن لا الرعية.. المواطن الذي ينتمي لهذا الوطن، ويشعر بكرامته فيه.