على غرار أسلوب موقع «ويكيليكس» في التعامل مع كشف الأسرار، نشرت فضائية الجزيرة المرموقة عالمياً، ما بات يُعرف بـ «كشف المستور»، عن الملف الفلسطيني في المفاوضات. يستمر الزعم بأن هذه أسرار، في حين يعرف المراقبون المهتمون وأكثر العوام مآل مفاوضات عبثية، عبثية بشكل شبه مطلق.
الطرف الفلسطيني المفاوض يتيم ضعيف، مستفرَد به أمام قوة إقليمية عظمى هي إسرائيل. تساند إسرائيل القوة الدولية العظمى الوحيدة. الإدارة الأميركية ليست طرفاً محايداً أو حكماً عادلاً أو قاضياً نزيهاً، أو حتى جهةً حكيمةً تدير أمور المفاوضات. الولايات المتحدة، بكل ثقلها السياسي والاقتصادي والثقافي، طرف أساس عنيد في المفاوضات. هذه تسعى لتثبيت مصالح لها قائمة، والحصول على أخرى جديدة، مستغلة ضعف، بل تورط وعجز الآخرين.
الطرف الفلسطيني محاصَر مقيد في كافة اتجاهات العمل والتفكير والتخطيط. لم يُترك له من حرية في العمل والحركة، إلا في اتجاه توقيع شروط يرضخ لها وتنازلات يتم ابتزازها منه. إسرائيل والإدارة الأميركية مصممتان على تصفية القضية الفلسطينية، على أيدي ممثلين مفترضين للشعب الفلسطيني خاصةً، والشعوب العربية والإسلامية عامةً. الدعم الداخلي محدود جداً، والسبب هو خضوع الجبهة الداخلية في الجزء الأكبر منها لاحتلال مباشر، والجزء الآخر بشكل غير مباشر لا يقل انتكاساً. الشعب الفلسطيني المسانِد، في الداخل والخارج، محاصر حتى في قوت يومه. بوصف مجازي لكنه دقيق؛ فالطرف الفلسطيني المفاوض بات ممسوك الرقبة، ملويّ الذراع، مكبّل اليدين، مغطّى العينين، مقبوضاً على قلبه وأنفاسه.
في المقابل، إسرائيل تسيطر معربدةً، على الإنسان والأرض والمياه والأجواء والحدود والمعابر. ما زالت تستحوذ على القرار السياسي للأنظمة الإقليمية، وحتى الدولية الفاعلة ذات العلاقة. تتحدى العالم بشكل سافر، بل قاتل لروح العملية السياسية. ذلك ما يزيد من حالة الإرباك والمهادنة والتذلل والتوسل لدى الطرف الفلسطيني، وبشكل متواصل متصاعد. الطرف الإسرائيلي المفاوض يأتي لطاولة التفاوض مطمئن البال والحال، بعد أن ضمن كافة الأوراق الرابحة، الصغيرة والكبيرة، فهو ضَمِنَ الحصول على أية تنازلات تخطر في باله.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو: ما الذي يتوقعه البعض، من تألق أو نجاح أو حتى تقدم أو حلحلة للموقف يحرزها الطرف الفلسطيني المفاوض؟!
هذا ليس بقصد الدفاع عن التفاوض مع إسرائيل. هذا التغني أو التطاول أو اللعب على وتر الإخفاق الفلسطيني في المفاوضات، أسلوب من أساليب المزايدة. لا يأخذ بالأسباب والمسببات والواقع والخطوات، والتاريخ الطبيعي لتسلسل الأحداث. في الوقت ذاته لا يضع بدائل واقعية، أو يأتي على ذكرها على الأقل. يتصرف وكأنه طرف قادم من كوكب أو عالم آخر. يتصرف كما لو كان «جوليان آسانج»، بطل تسريبات موقع الويكيليكس على شبكة الإنترنت.
أقصى ما يمكن للطرف الفلسطيني فعله هو قطع العلاقات مع إسرائيل، ومن جانب واحد. يُلغى التفاوض مع إسرائيل؛ لا تعاون أمنيا ابتزازيا مفروضا، لا تجارة ولا حركة، ولا مشاركة ميدانية في أي نشاط.
في غياب بديل عملي، تُعتبر هذه الخطوة بمثابة عملية انتحار، تسعى إسرائيل للوصول بالفلسطينيين إليها. يصبح باستطاعة إسرائيل مخاطبة المجتمع الدولي، خاصةً الغربي، قائلةً إن هؤلاء غير جديرين بالاستمرار معهم في السلام، و«لا مانع في ذهابهم إلى الجحيم»!
الوضع الفلسطيني العام أقرب إلى حالة الشلل أو الغيبوبة أو الموت السريري، لا تنفع للتعامل معه أساليب النحيب والنعيق والتهويل. هذه تنفع كمواد مزايدات رخيصة، تصلح لتغذية المزايدين، إذا كان يجوز التعبير.
أين الدعم أو المساندة أو المؤازرة التي قُدّمت للطرف الفلسطيني، الذاوي على الدوام، طيلة السنين العجاف الماضية؟!
بات المضي في المفاوضات عقيماً؛ لكن أكثر شؤماً وخطراً رفضها أو التراجع عنها. في ذلك أثبتت إسرائيل أنها لا تقبل على نفسها، إلا أن تكون عدوّاً أزلياً أبدياً، شديد المكر والخداع والعناد.
جامعة الإمارات