المتابع للشأن الإسرائيلي، يلاحظ بوضوح وجود خلافات حادة بين إسرائيل وواشنطن، بسبب موقف إدارة الرئيس أوباما من الأحداث في مصر. وقد خرج العديد من الصحف الإسرائيلية يصف أوباما بـ«الخائن» للرئيس المصري السابق حسني مبارك، وقالت تلك الصحف إن عدم دعمه له وإلحاحه في المطالبة بالتغيير السريع، زاد من اشتعال الشارع المصري ضد مبارك. وأدانت إسرائيل رسميا وإعلاميا الخطاب الذي ألقاه الرئيس أوباما بعد تنحية الرئيس مبارك، والذي عبر فيه عن انتصار إرادة الشعوب، وأعطى أمثلة للثورات السلمية التي قادها غاندي ومارتن لوثر كنغ وغيرهما، وقال الإسرائيليون إن أوباما أفقد الولايات المتحدة الأميركية مصداقيتها لدى حلفائها من الحكام وقادة الشعوب.
ربما يكون الإسرائيليون فعلا على حق في رأيهم، لكن السؤال هنا هو؛ هل هذه السياسة الأميركية جديدة ابتدعها أوباما ولم تكن موجودة من قبله؟
إنها السياسة التي عهدناها من واشنطن على مدى أكثر من نصف قرن مضى، ولم يحدث من قبل أن انتقدت إسرائيل واشنطن في هذا الأمر، ولكن عندما مس الأمر مصالح إسرائيل المباشرة وأمنها، ذهب الإسرائيليون يكيلون الاتهامات لأوباما.
لو رجعنا للوراء قليلا، سنجد العديد من الأمثلة على هذه السياسة الأميركية، منذ شاه إيران، وحاكم بنما مانويل نورييغا القابع في سجون فلوريدا الآن، وغيرهما الكثيرون من الحلفاء الذين خانتهم واشنطن وتخلت عنهم وقت الأزمة. وما حدث خلال العقد الماضي يقدم لنا الأمثلة الواضحة على هذه السياسة، فقد حملت حوادث الحادي عشر من سبتمبر 2001 من ضمن ما حملت للعالم، ظاهرة الثورات الملونة التي شاهدناها في جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، والتي يحمل فيها المتظاهرون الشارات الملونة؛ مثل الثورة الوردية في جورجيا في نوفمبر 2003، والبرتقالية في أوكرانيا في نفس الشهر من العام 2004، وثورات أخرى ملونة شاراتها بألوان أخرى في جمهوريات مولدافيا وأوزبكستان وقرغيزيا.
كل هذه الثورات كانت مدعومة ومؤيدة من قبل واشنطن، وبعضها دبرته وخططت له المخابرات الأميركية، وهذا ما اعترف به علنا الرئيس الأميركي السابق بوش الابن، أثناء الزيارة التي قام بها لجورجيا في مايو عام 2005، والذي قال في كلمته أمام الشعب الجورجي «إن قادة الثورة الوردية تلقوا تدريبهم في المعهد الجمهوري في واشنطن»، ووصف بوش الثورة الوردية في جورجيا، بأنها الثورة النموذج لكافة الشعوب المتطلعة للحرية والديمقراطية في وسط آسيا والشرق الأوسط أيضا.
قامت الثورة الوردية في جورجيا ضد نظام الرئيس إدوارد شيفرنادزه، الذي كان الغرب يدين له بالفضل والعرفان على جهوده الكبيرة في التعجيل بانهيار الاتحاد السوفيتي، فقد كان شيفرنادزه آخر وزير للخارجية في الاتحاد السوفيتي، وتولى بعد ذلك رئاسة جمهورية جورجيا المستقلة باعتبارها وطنه الأصل، وانتهج سياسة في الحكم مناهضة لموسكو، بحيث أصبح أكبر حلفاء واشنطن في المنطقة، ومنح الأميركيين قاعدة عسكرية على أراضي بلاده بالقرب من الحدود الروسية.. ورغم كل هذه الخدمات، أعدت واشنطن الثورة الوردية ضده! وفي حديث أجراه شيفرنادزه مع الصحافة البريطانية بعد عزله من الحكم، قال «لقد قدمت للأميركيين الكثير والكثير أكثر مما طلبوا مني، لكنهم خانوني ودعموا الانقلاب ضدي، ووقف السفير الأميركي يقود المظاهرات ضدي». وعندما سئل شيفرنادزه: هل طلب منك الأميركيون شيئا ولم تفعله؟ أجاب: «لقد طلبوا مني التحرش بروسيا، وأنا رفضت لأن هذا أمر مستحيل، كيف يطلبون مني أن أضع رأسي في فم الأسد؟».
هذا نموذج على البراغماتية الأميركية الفجة في تعامل واشنطن مع حلفائها. ومثال آخر أكثر وضوحا في أوزبكستان، مع الرئيس إسلام كريموف الذي كانت واشنطن تقول عنه إنه الصديق الأول لها في القارة الآسيوية، واستضافوه في الكونغرس، وأجبروا الأوروبيين على التعامل معه نفس المعاملة. وكل هذا مقابل أن يمنحهم قاعدة عسكرية على أراضي أوزبكستان، وأن يشعل الأزمات والخلافات مع روسيا، وقد نفذ كريموف ما طلبوه منه وأكثر، مثلما فعل شيفرنادزه في جورجيا، وفي عام 2005 فوجئ كريموف بثورة شعبية ضده في أوزبكستان، وفوجئ بتأييد كبير من واشنطن لهذه الثورة، واتهامات له بالدكتاتورية والاستبداد وقمع الحريات في بلاده.. نفس الاتهامات التي يوجهونها لحلفائهم دائما عندما تثور شعوبهم ضدهم!
لقد كانت صدمة كبيرة لكريموف لم يكن يتوقعها، لكنه تدارك أمره بسرعة، وطلب المعونة العاجلة من روسيا التي كان يعاديها وينتقدها ويضر بمصالحها في المنطقة، ولم تتأخر موسكو في دعمها له هي والصين أيضا باعتبارها جارة جنوبية لأوزبكستان، وتم إنقاذ كريموف ونظام حكمه، وكان أول قراراته هو طرد القاعدة الأميركية من أراضي بلاده.
وأيضا في نفس العام 2005، نظام الرئيس عسكر أكاييف في قرغيزيا، الذي كان حليفا لواشنطن وأعطاها أيضا قاعدة عسكرية على أراضي بلاده قرب الحدود مع روسيا، وكان من المناهضين لموسكو والرافضين للتعاون معها، وقامت الثورة الملونة ضده وتم عزله، ولم يجد ملجأ يهرب إليه هو وأسرته سوى موسكو. هكذا هي البراغماتية الأميركية التي عرفناها على مر العقود الماضية، والتي تعرفها إسرائيل أكثر منا بكثير، لكنها لم تكن تتوقع أن تتضرر هي أيضا من هذه السياسة.
رئيسة المركز الروسي الحديث لاستطلاعات الرأي