من جديد، يأتي تبني المجلس الأعلى للأمن الوطني فكرة تضمين محتوى وأغلفة الكتب المدرسية لمواد العلوم الإنسانية، رسائل توعية موجهة لطلبة الصفوف من الأول إلى السادس، بهدف تأصيل منظومة القيم التي يتميز بها مجتمع الإمارات في فكر طلبتنا، وترسيخ مفاهيم ومبادئ الانتماء الوطني والأمن والسلامة والعمل التطوعي في نفوسهم، يأتي تبني المجلس هذه الفكرة ليضع التربية الوطنية ومنهاجها وطرق تدريسها في مدارسنا، على بساط البحث والنقاش، للوصول إلى صيغة مشتركة وفعالة، تجعل من الانتماء إلى الوطن، وإدراك أهمية هذا الانتماء لدى الطلبة، أولوية تتقدم على التعليم نفسه، إذا ما وضعنا في الاعتبار أننا أشد حاجة إلى مواطنين يتمتعون بحس وطني عالٍ، منا إلى متعلمين حاصلين على مستوى تعليمي عالٍ، لكنهم لا يملكون هذا الحس الوطني الذي يجعلهم يعرفون للوطن قيمته، ويعملون للمحافظة عليه وصون أمنه، وتوفير المناخ المطلوب لمواصلة تقدمه وازدهاره.

نحن لا ننكر الجهود التي بذلتها وتبذلها وزارة التربية والتعليم في هذا المجال، لكننا نشعر بأن هذه الجهود لم تصل بعد إلى تحقيق هذا الهدف بالدرجة التي نتطلع إليها، الأمر الذي يجعلنا نتساءل عن سبب هذا القصور الذي ربما يكون في الوسيلة، وليس الغاية التي هي دون شك نبيلة ومتفق عليها، بدليل تكاتف جهود عدد من وزارات ومؤسسات الدولة بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم لإنجاز هذه المهمة، ورفد هذه الجهات للوزارة بالأفكار والرؤى التي من شأنها تحقيق هذا الهدف.

كما أننا لا نحمل وزارة التربية والتعليم وحدها مسؤولية هذا القصور، لأننا جميعاً شركاء في المسؤولية.

ربما كان الأمر لا يتعلق بموضوع التربية الوطنية وحدها، وإنما يتجاوزه ليشمل منظومة التعليم كلها، وأساليبه التي نعتقد أن عقول الطلبة ومفاهيمهم قد تجاوزتها بمسافة بعيدة، بعد أن تخطى هؤلاء الطلبة حاجز الأمية التقنية وأصبحوا يتعاملون مع أحدث وسائل التقنية الحديثة، ويتواصلون مع أقرانهم في أنحاء المعمورة، من شرقها إلى غربها، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ويبحرون في عالم الإنترنت من خلال حواسيبهم التي يصطحبونها معهم إلى أسرّتهم حتى يغمضوا عيونهم، ليفتحوها في اليوم التالي على أساليب تدريس ومناهج تعليم، لا تتواءم مع العوالم التي أبحروا فيها ورافقتهم حتى في أحلامهم.

مفهوم التربية الوطنية الذي نعنيه، يتجاوز موضوعات عَلَم الدولة والخريطة والمعالم الرئيسية التي تركز عليها مناهجنا، ويعتقد القائمون عليها أنها كفيلة بزرع الحس الوطني لدى الطالب وتوثيق عرى العلاقة الوشيجة بينه وبين تراب الوطن. صحيح أن هذه الموضوعات مهمة، لا يمكن لأحد أن يقلل من شأنها، لكن الواقع الذي نلمسه من خلال الطلبة، يقول إنها لم تنجح حتى الآن في إيصال الفكرة كما نريد إلى عقولهم ونفوسهم. لذلك نتمنى على وزارة التربية والتعليم أن تقوم بعمل دراسة ميدانية على عينات مختلفة من الطلبة، لمعرفة مدى نجاح المناهج وأساليب التدريس في ترسيخ الحس الوطني لدى الطلبة، وتأصيل منظومة القيم التي نتحدث عنها فيهم.

إن طبيعة تركيبة مجتمع الإمارات، تفرض علينا واقعاً مختلفاً عن غيره من المجتمعات الأخرى. هذه التركيبة المختلفة أوجدت لدينا نمطاً من التعليم، نعتقد أنه ساهم في تغييب الهوية الوطنية لدى كثير من أبنائنا الطلبة. نقصد بذلك التعليم الخاص الذي نعتقد أنه يوازي التعليم الحكومي، من حيث أعداد الطلبة الملتحقين به والمدارس التي تنضوي تحته، إن لم يكن يتفوق في الناحيتين معاً على التعليم الحكومي في بعض إمارات الدولة. يؤيد هذا تقرير هيئة المعرفة والتنمية البشرية في دبي لعام ‬2010، الذي أظهر أن هناك ‬78 مدرسة حكومية مقابل ‬131 مدرسة خاصة.

هذا التعليم، أو أغلبه في رأينا، يهمش كثيراً التربية الوطنية ولا يوليها الاهتمام الذي تستحقه، بل إنه يهمش مواد أساسية مرتبطة بتنمية الحس الوطني لدى الطالب، مثل اللغة العربية والتربية الإسلامية اللتين تشكلان عاملاً مهماً من عوامل منظومة القيم ومبادئ الانتماء الوطني التي نريد ترسيخها في فكر ونفوس أبنائنا.

إن الدعوات والبرامج التي انطلقت في السنوات الأخيرة مركزة على الاهتمام بالهوية الوطنية، خير دليل على مدى الإحساس بأهمية تأصيل الانتماء الوطني لدى المواطنين جميعاً. نذكر منها على وجه الخصوص، توجيه صاحب السمو رئيس الدولة باعتماد عام ‬2008 عاماً للهوية الوطنية، والاستراتيجية التي طرحتها الحكومة الاتحادية للعام ‬2021، والحملات التي نظمتها وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، وبرنامج «وطني» في هذا الإطار.

كل هذه الجهود تصب في إطار ترسيخ الهوية الوطنية ومنظومة القيم الاجتماعية التي يتميز بها مجتمع الإمارات، كي لا نصحو ذات يوم على مجتمع بلا هوية، في زمن أصبح من السهل فيه اضمحلال الهويات وذوبانها، بفعل هذا الانفتاح الهائل على حضارات العالم وشعوبه، ليس من خلال التواصل المباشر فقط، وإنما من خلال العالم الافتراضي الذي خلقته الشبكة العنكبوتية، وأحدث هذا الدوي الهائل الذي نلمس آثاره وتداعياته كل يوم.

إن ما نشاهده حولنا من أحداث، يدعونا إلى إعادة النظر في كثير من برامجنا، ويشعرنا بالحاجة إلى تضافر جهود كل الجهات الحكومية، وتعاون مؤسسات المجتمع المدني لدينا للعمل على ترسيخ هذا الانتماء، كي نطمئن على البنية الداخلية والنفسية لأبنائنا، حتى لا نفاجأ بأنهم مغرَّبون عن وطنهم وأمتهم وقيمهم التي هي أساس أي هوية وطنية لأي شعب، وكي نطمئن عليهم بعد أن يغلقوا حواسيبهم التي ترافقهم إلى مخادعهم، ونقول لهم قبل أن يغمضوا عيونهم: تصبحون على وطن.