من جديد، تفرض نفسها الأحداث التي تتسارع وتتفاعل على الساحات العربية، سواء للقراءة في مفاعيلها، أو للتعليق على قراءات الآخرين في غير مسألة.

الأولى؛ أن الثورة المصرية استقطبت تأييد الجميع، إذ الكل رحبوا بها وامتدحوها أو تبنّوها، بل هي جمعت تأييد الضدّين: أميركا وإيران. هناك استثناءات، فإسرائيل أعربت عن حذرها أو خشيتها، وفي المقابل آثر بعض الدول العربية الصمت من غير تعليق. ولكل أسبابه، فالدولة العبرية تخشى من تغيير المعادلة بينها وبين العرب. أما الدول العربية فهي تخشى من العدوى بانتقال الثورة إلى ملاعبها، لكي تقلب الأمور وتغيّر قواعد اللعبة.

الثانية؛ أن الثورة، كحدث كبير يزلزل الأوضاع، إنما يغير في موازين القوى بقدر ما يغير في الأفكار. من ذلك أن ما جرى في مصر، وقبل ذلك في تونس، قد أحدث تغييراً في مواقف الأحزاب الإسلامية التي أبدت تراجعاً عن طرح شعارها حول الحكومة الدينية (الإسلام هو الحل)، وأعلنت تأييدها للحكومة المدنية. وفي أي حال، فإن الثورة بوصفها صنيعة أجيال جديدة، لا تلتزم بعقائد دينية قديمة أو بأيديولوجيات شمولية حديثة، بيّنت أن الأحزاب الإسلامية لم تكن على رأس التظاهرات، بل شاركت بوصفها أحد مكونات المجتمع لا أكثر. والأهم أن الأحداث كشفت مدى المبالغة والتهويل، في القول ان سقوط الدكتاتوريات سوف يُفضي إلى مجيء الأصوليات. فهذه حيث سيطرت أو حكمت، أخفقت في إدارة شؤون البلاد والعباد، لأنها تتقن الارتداد والانتقام أكثر مما تحسن أعمال التحديث والإنماء، بدليل أنها لا تملك عناوين مبتكرة، ولم تقدّم برامج جديدة أو جذّابة للعمل الحضاري والبناء الاجتماعي.

الثالثة؛ أن أكثر ما يلفت في ردود الفعل على سقوط النظام في مصر، هو تعليق الرئيس الأميركي أوباما. فقد حيّا هذا الأخير الشعب المصري الذي عبّر بثورته عن روحه الخلاقة، وأثنى على شباب مصر الذين أحدثوا هذا التحويل الكبير، بقدراتهم ومواهبهم وتقنياتهم، فغيروا بلدهم والعالم. من هنا كان قوله «لقد ألهمنا المصريون»، تأكيداً على عالمية الثورة. وبهذا فقد تصرّف أوباما، تجاه المجريات، كسياسي يعيش زمنه المعولم، يقرأ ويحلّل دلالات الحدث بأبعاده ورهاناته، لكي يستخلص الدروس والعِبَر.

الرابعة؛ أن الثورة المصرية، التي أتت بعد أحداث طائفية في أرض الكنانة، كسرت المنطق الطائفي، لأنها كانت جامعة. ويؤمل أن يتعزّز هذا المنطق، بحيث تشارك، في الثورة وما بعدها، الشخصيات والفاعليات القبطية على قدم المساواة مع سواهم. من هنا، وبالمقارنة، فإن الحركات والتظاهرات الجارية في بلدان أخرى، ولو كانت محقّة في مطالبها، لا تشبه الثورة المصرية أو التونسية، إذ هي ذات طابع فئوي وليست جامعة. فالمطالب، التي تفرّق ولا تجمع، تشكّل لغماً عندما تقتصر على فئة دون أخرى، أو على طائفة دون سواها، سواء تعلّق الأمر بالحرية أو بالعدالة أو بالمقاومة أو بالحقيقة، أو بأي عنوان آخر. وإذا كانت المجتمعات العربية تتماهى بعضها مع بعض، فلأن ما تطرحه الثورات والانتفاضات الجارية، هو عابر للطوائف والمذاهب والأحزاب، بل للدول والأوطان.

الخامسة؛ أن الكثيرين ممن علقوا على الثورة المصرية ورحبوا بها، في غير بلد عربي، وبالأخص في لبنان، حاولوا مصادرتها للحصول على شهادة حسن سلوك سياسي أو أخلاقي، في حين هي تطالهم، ولو بصورة رمزية، لأن ما رفعته من المطالب المتعلقة بمحاربة الاستبداد، وبالأخص الفساد، ليسوا براء منه، بل هم من صناعه. ولو حصلت ثورات مشابهة في العالم العربي، لَوُجِّه السؤال «من أين لك هذا؟»، للكثيرين الذين يرحّبون بثورة مصر أو تونس. فما عادت شعارات المقاومة والممانعة تقنع الناس، للتستّر على المظالم والمفاسد. فالمجتمعات الحرة الديمقراطية، حيث الفرد قوة فعالة بفكره وعمله، هي التي تقاوم على الوجه الأفضل. أما أنظمة الفساد والعبودية، فإنها تقتل روح المقاومة وتدمر مصادر القوة والمَنَعة لدى الشعوب والمجتمعات.

السادسة؛ أن لكل عصر ثوراته، كما أن لكل ثورة مفرداتها. من هنا لم تكن العناوين البارزة في الثورات الجارية، لا التحرير ولا المقاومة ولا مناهضة الغزو الثقافي، وسواها من الشعارات التي استهلكت، وباتت ذرائع للتستر على الآفات في الداخل. لم يعد مقنعاً أو مجدياً أن تصادر الحريات، أو أن يتوقف تطوّر المجتمعات، أو أن تُرجأ الحياة الحرة الكريمة، تحت شعار المقاومة أولاً، أو في انتظار المعركة الفاصلة مع الغرب. كذلك تتراجع التصورات الفردوسية والطوباوية والخلاصية، كما تتراجع نماذج الزعيم الأوحد والقائد الملهم والبطل المنقذ، لكي تبرز نماذج ومفاهيم جديدة أكثر تواضعاً، وأشدّ التصاقاً بهموم الحياة اليومية، الآنية، الملموسة، لجميع الناس. نحن إزاء ثورات عابرة، بقدر ما هي متحرّرة من القوالب الأيديولوجية، التي تختزل الحياة وتستعبد الشعوب لكي تصادر الحريات وتُفقر المجتمعات. حتى كلمة «تاريخ» قد استهلكت وفقدت قوتها على التحريك والإلهام، لأن الثورات السالفة التي عمل أصحابها تحت مقولات «صنع التاريخ»، أو الوعي التاريخي والطبقي، قد خربوا الحاضر بقدر ما سدوا أبواب المستقبل. ولذا نحن إزاء حركات وثورات جديدة، ذات طابع مستقبلي، تنفتح معها الفرص والأبواب لحياة عربية جديدة، يدار فيها الحاضر، باستثمار مكتسبات الماضي، من أجل المساهمة في رسم مستقبل أفضل للبشرية جمعاء.

السابعة، وتُخص المثقفين؛ ولا أراني أجلد نفسي أو أظلم غيري، عندما أنتقد المثقف وأعترف بأن جيلنا قد فشل في ما طرحه من شعارات، لأنه فقد القدرة على التفكير الحي والتخيّل الخلاق، أي ما به تجترح إمكانات جديدة لحياة حرة، لائقة، كريمة.

هذا العجز عبّر عنه أحسن تعبير، الروائي المصري صنع الله إبراهيم، بقوله تعليقاً على الثورة الجارية في بلده: «حتى في الحلم، لم أكن أتخيّل أن تكون هذه الثورة ممكنة».

نعم، كانت مستحيلة، بالنسبة له ولجيلنا، بسبب مقولاتنا المتخشبة، وشعاراتنا الفاقعة، وعقولنا المغلقة، ونماذجنا البائدة في الفهم والتشخيص والمعالجة. من هنا حدثت الثورة على يد قوى جديدة، بعقولها وأفكارها ومفرداتها وأدواتها، والرهان أن تُحدث تغييراً يطال مختلف وجوه الحياة، بقدر ما يطال المفاهيم والأساليب والمعايير والأذواق.