الآن وبعد أن مرت العاصفة، ترى ما التحديات التي سيواجهها الشعب المصري من الآن فصاعدا؟

الحقيقة هناك عدة تحديات نستطيع أن نطلق عليها: مصيرية والتي ستقرر نجاح الثورة أو فشلها. ولن تكون أقل أهمية وخطورة من اندلاع شرارة الثورة نفسها والتي أطاحت بنظام دام ‬30 عاما متواصلة.

أولى هذه التحديات يتمثل في كيفية مسح آثار النظام السابق وإعادة ترتيب البيت المصري الداخلي. وهي مسألة قد تطول لعقود طويلة. فمن السهل أن تهب العاصفة ولكن يظل من الصعب إصلاح الدمار الذي تخلفه وراءها. اليوم نجد أن جميع الأطياف التي شاركت في بداية ونهاية ونجاح ثورة الشباب من كافة الأجيال يحتفلون بأيام النصر، يدا بيد. ولكن الخوف أن يتحولوا غدا إلى «الأخوة الأعداء» بعد أن تستقر لهم الأمور. وهذه هي عادة الثورات في كل مكان. فمعروف عن الثورات أنها كالقطط تلتهم أبناءها. فهل وضع المصريون الشباب في حسبانهم أن القادم أصعب من الذي مضى؟

 وأن التضحيات مطلوبة في مثل هذه الأوقات الحرجة؟ وأن الحرية التي طالبوا بها واستشهدوا من دونها وانتصروا لها يجب أن لا تتحول إلى احتكار فئة على حساب فئة أخرى؟ الصورة في الوقت الحاضر غير واضحة على المشهد السياسي المصري. هناك تداخلات وأحزاب وقيادات وزعامات وتنظيمات وأسماء وأفكار كلها جديدة تشكلت قبل وأثناء وبعد ثورة ‬25 يناير. وكلها يجب أن تتوحد وتصب في مجرى واحد: بناء نظام شورى على مستوى من الرقي بحيث لا يحرق نفسه بيده. وعندما نقول (شورى) فنحن نعني ما نقول.

فالديمقراطية كلمة أولا غربية اللفظ وثانيا فإن (الديمقراطية الغربية) التي انكشفت خلف أقنعتها منذ زمن طويل بعد الحرب على العراق وغزة ولبنان وخاصة أثناء أحداث ثورة الياسمين وثورة اللوتس الأخيرتين، أثبتت بما لا يدعو للشك بأنها ديمقراطية مهما تحدثنا عنها إنما هي ديمقراطية ظهرت بأنها تسعى إلى السيطرة على الآخر والكيل بمكيالين والصيد في الماء العكر لتأمين مصالحها السريعة ولا تعترف بأخطائها ولا تؤمن إلا بالقوة العسكرية لفرض هيمنتها. ولا نريد أن تقع مصر في هذا المطب وإلا انقلبت ثورتها ضدها وانفلت زمام الأمور، بعدها لن يفيد البكاء على زمن حسني مبارك.

التحدي الثاني وهو لا يقل خطورة عما سبقه. ويستدعي عدم السقوط من جديد في شباك سياسة تنفيذ وإطاعة أوامر وتعليمات الأنظمة الخارجية وعلى رأسها الغرب. وقد بدا واضحا منذ الأيام الأولى لتنحي الرئيس زين العابدين بن علي ومن بعده الرئيس حسني مبارك والدماء لم تجف بعد من على شوارع البلدين والخجل لا يزال يرتسم على وجوه الدول الغربية التي ساندتهما حتى آخر نفس، بأن هذه الدول الغربية بدأت تحيك القصص تلو القصص وتقدم المبررات تلو المبررات لتعيد لعبتها مع النظام التالي الذي لم يستقر بعد. فالدول الغربية تعتقد أنها سيدة كل العالم. وأنها تقرر مصيرنا في كل الأحوال والظروف.

حتى ولو كان زعماؤها أنفسهم مطالبين للمثول أمام قضاء بلدانهم للتحقيق في قضايا فساد وغيرها مما نخجل من ذكرها هنا. فلا نتصور أن تقوم هذه الدول بفرض شروطها أو التدخل في شؤون هاتين الدولتين - مصر وتونس - وما قد تلحقها من دول أخرى قادمة في الطريق، بعد أن ساهمت فيما وصلت إليه من تردي في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

أن أخطر ما يمكن أن يهدد نجاح ثورة شباب تونس ومصر الوقوع في فخ الغرب من جديد. فكما كان المصريون والتونسيون قادرين على تغيير أنظمة بلدانهم فهم قادرون أيضا على قيادتها ورسم مستقبلهم ونظام الحكم لديهم.

ثم ماذا بعد الثورة إن كان هناك فعلا ثورة وبعد الاستقرار إن كان هناك بالفعل استقرار؟ وهذا هو التحدي الثالث والأهم. إذا أرادت الشعوب الثائرة لأجل تحسين أوضاعها الاجتماعية والمادية أن تنجح ثوراتها ولا يضيع دم شهدائها هدرا، فعليها الانشغال ليس بنفسها ضد نفسها وإنما باقتصادها. ولا يقوم اقتصاد أي دولة من الدول طالما أدمنت الرضاعة من حليب الصناعات الأجنبية. مصر وتونس قادرتان معا أن تصبحا دولا صناعية نموذجية على مستوى الوطن العربي في أقل من عشرين سنة. فهي تملك ما لا تملكه فرنسا وإيطاليا وألمانيا مجتمعة:

الأيدي العاملة الرخيصة والفنيين المهرة. ولديها من الثروات الطبيعية والموقع الجغرافي في منتصف الطريق بين ثلاث قارات رئيسية ما يؤهلهما لأن تصبحا من أكبر الدول الصناعية غزارة في الإنتاج في غضون سنين معدودة. وإذا انشغلت هاتان الدولتان وما يمكن أن ينضم إليهما من دول أخرى لاحقا ؟ بتنمية اقتصادها وتصدير صناعاتها فسوف توفر من فرص العمل ما سيشغلها عن التناحر فيما بينها.

فإذا كانت إسرائيل رغم ضعفها من حيث الموارد الطبيعية وصغر حجم مساحتها الجغرافية وقلة أيديها العاملة ومحدودية مناطقها السياحية وانشغالها من جهة أخرى بحروبها مع جيرانها، قادرة على غزو العالم بصناعاتها ومنتجاتها الثقيلة والخفيفة، فحري بدول بحجم مصر وتونس وليبيا والجزائر فرادى أو مجتمعة أن تغزو العالم بمنتجاتها وصناعاتها أضعاف ذلك، بدلا من تخدير مليارات الدولارات في البنوك والمصارف السويسرية والأجنبية بفوائد مخزية.

إن مجرد التفكير الجدي في الاستثمار الجيد للسياحة في مصر وتونس وإعادة ثقة الأجانب في استقرار البلدين يكفي ليشكل رافدا ثالثا لنهر النيل العظيم بل للوطن العربي بأكمله.

إن التحديات كثيرة وجمة. وتطرقنا لأهمها. وتظل «إرادة الإنسان» وليس السيف ـ كما قال أبو تمام ـ هي الحد الفاصل بين الجد واللعب.