لا شك أن هناك علاقة قوية بين ما يدرسه الطلاب في المؤسسات التعليمية من مناهج ومقررات دراسية وبين ما يتكون لديهم من قيم روحية وولاء للوطن والدولة ولمؤسسات المجتمع المختلفة بما فيها المؤسسات الاجتماعية الحاضنة كالأسرة مثلاً. هذه العلاقة أثبتتها الدراسات العلمية في جميع أنحاء العالم، بمعنى أننا لسنا بحاجة لخبير أجنبي لكي يقول لنا ذلك. محلياً أكد هذه العلاقة مجموعة كبيرة من الأكاديميين والتربويين المواطنين وغيرهم منذ أمد ودعوا إلى تقويم المناهج خاصة العلوم الاجتماعية كالتاريخ والتربية الوطنية، بما يخدم غايات المجتمع والدولة ويرسخ الولاء للوطن ومؤسساته المختلفة. تلك الدعوة لاقت صداها لدى القائمين على أعداد وتقويم المناهج الدراسية في المدارس والجامعات قبل أن تأتي موجة التغريب لكي تغير الكثير من الأفكار المتعلقة بالمناهج ودورها الطليعي في غرس القيم. فقد ظلت المناهج تعدل وتقوم وتقلص وتقصقص دون الاكتراث كثيراً بالمحتوى وبالمادة حتى قام أحد الخبراء الأجانب مؤخراً بالدعوة إلى مراجعة المناهج لأنها لا تعطي للطلاب والدارسين جرعة معلوماتية قوية عن بلادهم؟ وهو الأمر الذي يؤثر على معرفتهم بوطنهم وقضايا مجتمعهم ويؤثر على مخرجات العملية التعليمية وعلى رأسها الولاء للوطن.

هذا الكلام خطير وهو ذو شقين الأول أنه يصدر من خبير أجنبي متخصص في التاريخ ويدرك أهمية التاريخ في تكوين الولاء والانتماء للوطن، والثاني أن هذا الكلام ليس بالجديد فقد قاله العديد من الأكاديميين والكتاب المواطنين بل والكثير من الذين عملوا سابقاً في تقويم مناهج الاجتماعيات للوزارة التربية والتعليم وعجزوا عن إقناع أصحاب القرار بوجهة نظرهم. فما الذي استجد مؤخراً؟ ولماذا تخضع مناهج العلوم الاجتماعية بالذات في المدارس والجامعات للكثير من التقليص والبتر بل وثنائية اللغة (في بعض المؤسسات التعليمية يدرس التاريخ العربي باللغة الانجليزية) التي تؤثر أصلاً على محتوى المادة وعلى إيصال المعلومة وبالتالي على القيم الروحية المرتبطة بها؟

لسنوات عدة كانت مؤسسات التعليم تولي اهتماماً كبيراً بتنقيح مناهج العلوم الاجتماعية وبالأخص التاريخ والتربية الوطنية نظراً لارتباط هذه المناهج بتنمية قيم مهمة يأتي على رأسها الولاء والانتماء للوطن عن طريق إعطاء الدارسين جرعة قوية من المعلومات التاريخية المنقحة عن رموز تاريخية محلية ساهمت في بناء الوطن وترسيخ دعائمه، وعن عملية البناء التاريخي للدولة ومؤسساتها الوطنية. ويبدو أن عملية التنقيح مرت بفترات من المد والجزر أصبحت العملية خلالها ليس تنقيحاً ولكن تقليصاً وقصاً وبتراً أسوة بما حدث لمقررات دراسية عديدة كاللغة العربية والتربية الإسلامية ومواد النشاط المدرسي وغيرها من المقررات. وعلى الرغم من أن الهدف المعلن كان التقويم والتجديد إلا أن ذلك كان على حساب المعلومة الصحيحة والتي جاءت مبتورة لا تفي بالغرض الرئيس. وهكذا جاءت مناهج العلوم الاجتماعية ناقصة أو مبتورة وبالتالي عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها التي وضعت من أجلها. وأصبحنا نرى طلاباً يتخرجون من الثانوية العامة وأحياناً من الجامعات، دون أن يعرفوا الكفاية عن تاريخ بلدهم وحضارته ناهيك عن الرموز الوطنية التي ساهمت في بناء الوطن. ومما زاد الطين البلة أن نسبة كبيرة جداً من الطلاب المواطنين يدرسون في مدارس وجامعات خاصة بعضها يتبع المناهج الوطنية وبعضها يتبع مناهج خاصة، وبعضاً من هؤلاء يتخرجون دون أن يدرسوا شيئاً عن تاريخ الإمارات أو حتى التاريخ بشكل عام. والأهم من ذلك أن البيئة الدراسية التي يدرس فيها أولئك الدارسون هي بيئة بعيدة كل البعد عن البيئة المحلية بتقاليدها وقيمها بل حتى نظامها الحياتي. فمن أين سوف يستقي هؤلاء الطلاب القيم المحلية والاعتزاز والفخر بالتقاليد الراسخة والقيم الأصيلة وهم يجهلون أهميتها ودورها في تنمية الولاء والانتماء للوطن؟

هنالك حقيقة أخرى وخطيرة لم يلتفت لها ذلك الخبير الأجنبي ألا وهى تدريس مادة التاريخ بلغة أخرى غير اللغة الأم. فالمعروف أن تدريس مادة التاريخ أو التراث بلغة غير لغتهما الأم تعمل على تشويه المعنى وتصبح عاجزة عن إيصال القيم الروحية المراد إيصالها. ان اللغة هي وعاء الثقافة وهي مصدر فخر للأمة وعامل من عوامل التماسك الاجتماعي والهوية والوحدة الوطنية، فكيف نقنع الدارس بهذا كله إذا ما قمنا بتدريسه ثقافة وتاريخ بلده بلغة غير لغته؟

في الحقيقة لا يمكن القول ان هناك نوعاً من الجهل بالعلاقة الوثيقة بين مناهج العلوم الاجتماعية وبين تنمية الولاء للوطن وزرع العديد من القيم الروحية وأننا بحاجة لخبير أجنبي ليقول لنا ان هناك علاقة ترابطية وثيقة بين مناهج التاريخ والتربية الوطنية وبين تنمية الولاء للوطن والفخر منجزاته، ولكن يمكن القول انه يوجد هناك حالياً نوع من الاستخفاف بدور هذه العلوم في تنمية الولاء للوطن، والأخطر من ذلك، أن هناك نوعاً من الاستخفاف أيضاً بطبيعة وعقلية وتكوين الجيل الجديد الذي سوف يعرف عاجلاً أو أجلاً ماذا اقترف في مصيره. ويظهر هذا الاستخفاف في أمور عدة أهمها محاولة تسطيحية ثقافياً، ورسم صورة مغايرة له مشابهة لصورة «التيك أوي» و«الفاست فود»، وفي محاولة إشغاله بمعلومات جاهزة ومعلبة بعضها مستورد من الخارج وبعضها معبأ محلياً.

ان هذه السياسات المحلية سوف تؤتي ثمارها لاحقاً في صورة تمرد اجتماعي صارخ. فأطفال اليوم هم شباب المستقبل؟ وان كان أطفال اليوم غير واعين لأهمية ودور مناهج العلوم الاجتماعية في إعطائهم صورة حقيقية وواقعية ومقربة عن بلدهم وتاريخهم ومجتمعهم ورموزهم الوطنية فإن شباب المستقبل سوف يعون ذلك قريباً، فماذا نقول لهم؟