دأبت بعض الأنظمة العربية الشمولية على التخويف من تغييرها ورحيلها بحجة أن البديل عنها هو إما الفوضى أو تسلم الإسلاميين السلطة، وقد استطاعت هذه الأنظمة أن تقنع الإدارة الأميركية والدول الأوروبية بمزاعمها، حيث أخذت هذه الدول ـــ في ضوء ذلك ـــ تراعي هذه الأنظمة وتعزف عن الضغط عليها، وتدعمها أحياناً، تجنباً للفوضى المحتملة في حال سقوط النظام. أو تولي الإسلاميين السلطة، مما يسبب مزيداً من الإرباك أو المشكلات أو يخلق صعوبات أو يعيق تنفيذ سياسات الغرب واستراتيجياته في المنطقة، على افتراض أن الفوضى ستولد الإرهاب وعدم الاستقرار، وقد يتاح المجال لقفز تيارات متطرفة (يسارية أو شبه يسارية أو قومية على السلطة) معادية للغرب وسياساته، وقد تتحول هذه البلدان إلى ما يشبه الحال الأفغاني أو ما هو قريب منه. كما استطاعت هذه الأنظمة أن تدخل في وعي شعوبها المزاعم نفسها، وتقنعها أن الإسلاميين هم البديل المؤكد، وبالتالي ليس على هذه الشعوب سوى القبول بهذه الأنظمة مهما كانت سياساتها ومضامينها ومواقفها والانحياز إليها ضد هذا العدو المفترض، الذي سيسلم البلاد والعباد إلى إسلاميين متطرفين، ويبدو النموذج الطالباني ماثلاً أمام الجميع. وأمام هذه المخاوف قد تسكت الشعوب عن أخطاء وخطايا حكامها وعسفهم واستبدادهم وفسادهم، انطلاقاً من أن (المر خير من الأمر) وأن هذه الأنظمة ـ برغم آثامها ـ تبقى أفضل من الفوضى أو من حكم الإسلاميين المتطرفين، وقد استكان الغرب الأميركي والأوروبي لهذه المزاعم كما استكانت الشعوب لها، وسكتت علناً عن آثام أنظمتها خوفاً من الأسوأ، واستمرت اللعبة منذ ما يقارب العقدين، أو على الأقل منذ بداية عهد الرئيس بوش ومحافظيه الجدد في مطلع القرن الحالي.

تعتبر حركة النهضة في تونس من أقوى التيارات السياسية التونسية، وهي كما هو معلوم حركة الإخوان المسلمين في تونس، وعضو في التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، وكان نظام الرئيس زين العابدين بن علي قد أقنع الخارج والداخل أن بديل نظامه إما تسلم حركة النهضة السلطة أو الفوضى، وقد حدث ما حدث في تونس ولم يكن البديل كذلك، بل كان الشعب التونسي بكل قواه الوطنية والديمقراطية هو البديل، وكان ناشطو حركة النهضة جزءاً من المنتفضين وفصيلاً من الفصائل الأخرى لا أكثر ولا أقل، ولم تستطع لا هي ولا غيرها الاستفراد بالقيادة أو بالوراثة، كما لم تستطع أن تكون إلا كما هو حجمها الطبيعي دون مبالغات أو أوهام، وتصرفت خلال الانتفاضة التونسية وبعدها حسب ذلك، ولم تطالب بما لا يتناسب مع واقعها وقدرتها.

أما الإخوان المسلمون في مصر، فهم أكبر حركة إخوان مسلمين في العالم، وأقوى تيار سياسي معارض، لكن قدراتهم وإمكانياتهم لم تؤهلهم لا لقيادة الانتفاضة ولا للسيطرة عليها. وبالتالي لم يحق لهم المطالبة بأكثر من إمكانياتهم وقدراتهم الواقعية، وهم يوقنون باستحالة توليهم السلطة، عكس ما كان يزعم النظام ويحاول إقناع الغرب والداخل بمزاعمه.

لقد تبين من خلال انتفاضتي تونس ومصر، أن الفوضى ليست من البدائل للأنظمة الشمولية العربية، وأن الشعوب في البلدان العربية تعي ما تريد، وتبتعد عن الفوضى والعنف باعتبارهما خيارين مرذولين، وبالتالي فإن جميع الأوهام التي نشرتها بعض الأنظمة العربية الزاعمة أن الفوضى هي البديل مجرد أوهام ومزاعم غير بريئة، ومحاولات إخافة وتخويف لاستدرار عطف الخارج والداخل وكسبهما إلى جانبها، أو على الأقل لتوجسهما من تغيير هذه الأنظمة، في الوقت الذي أكدت انتفاضتا تونس ومصر أن تولي الإسلاميين السلطة بعد سقوط الأنظمة القائمة هو بدوره مجرد وهم، فما دام أقوى حزبين إسلاميين في البلدان العربية لم يستطيعا الوثوب على السلطة في الظروف التي مر بها البلدان، والتي كانت مهيأة لهما أكثر من أي وقت مضى، فإن أي حزب إسلامي لا يستطيع ذلك في أي بلد عربي آخر، وأقصى ما يطمح إليه هو أن يكون شريكاً في القرار الوطني، سواء قبل إسقاط النظام أو بعده، ولا يطالب، ولن يطالب كما يبدو، سوى بقبوله شريكاً والتعامل معه حسب إمكانياته وقدراته فقط ودون أوهام.

من يدرس واقع الأنظمة العربية وتجاربها، يلاحظ أن التيارات والحركات الإسلامية كانت تزدهر في ظلال الاستبداد والشمولية، وتتراجع مع تقدم الديمقراطية، وأنها وليدة المنع والقمع والعسف، وعلى ذلك فإن الضغوط على هذه التيارات، وملاحقتها ومنعها من النشاط والحركة، وإلزامها على العمل السري، هي أسباب ازدهار هذه التيارات والحركات والأحزاب التابعة لها، والشرط الموضوعي لنموها. وعلى العكس من ذلك فإن المناخ الديموقراطي يعيدها إلى حجمها الطبيعي مثلها مثل الأحزاب الأخرى المعارضة، ويضعها في إطار قدراتها الواقعية. ولعل الإدارة الأميركية أدركت ذلك بعد الانتفاضة التونسية وخلال الانتفاضة المصرية، ولذلك أعلن مسؤولوها رضاهم عن مشاركة الإخوان المسلمين المصريين في السلطة دون خشية، شريطة أن يكون النظام السياسي ديموقراطياً، وبالتالي رفعوا (الحرم) المفروض على دخول التيارات السياسية الإسلامية في اللعبة السياسية، على أن تكون لعبة ديمقراطية. بعد أن تأكدوا بأن مزاعم الأنظمة السياسية العربية القائمة المتعلقة بالإيهام بقوة هذه التيارات، ما هي إلا مزاعم وأوهام لا علاقة لها بالحقيقة ولا بالواقع، وإنما لها أهداف أخرى على رأسها المبالغة بقوة التيارات الإسلامية، وإقناع الخارج والداخل بأنها البديل المؤكد.

لقد سقطت عند ذوي الشأن أوهام الخوف من الفوضى ومن قفز التيارات الإسلامية على السلطة، كبديل لبعض الأنظمة الشمولية القائمة، وعلى هذه الأنظمة أن تبحث بعد الآن عن وسائل تخويف جديدة غير الفوضى وغير الإسلاميين.