لم يكن الرئيس الأميركي بارك أوباما بعيداً عن الصواب في توقعاته لما سيجري في العالم الإسلامي، الذي يقبع معظمه في منطقة الشرق الأوسط والشمال الأفريقي، حين ألقى خطابه التاريخي الذي وجهه إلى هذا العالم من جامعة القاهرة، في الرابع من يونيو 2009. ثلاثة محاور حاسمة ذات علاقة مباشرة باستقرار هذا العالم، تطرق إليها أوباما ووجه من خلالها تحذيرات خطيرة وضعها بصيغة نصائح. الأول؛ خاطب به إسرائيل مؤكداً لها أن ضمان أمنها يتحقق فقط من خلال إقرارها بحق الفلسطينيين بإنشاء دولة خاصة بهم، والثاني؛ خاطب به الفلسطينيين؟ مؤكداً لهم أن حلم الدولة الفلسطينية لن يتحقق عن طريق العنف وحمل السلاح، وإنما عبر الطرائق الدبلوماسية السلمية. أما المحور الثالث، وهو الأهم، فقد كان موجهاً لجميع حكام المنطقة، وهو التأكيد على ضرورة القيام بخطوات إصلاحية حقيقية في بلدانهم.
إن ما يحدث في الشارع العربي من تظاهرات احتجاجية مليونية، عفوية إلى حد ما، أكبر كثيراً مما يدخل تحت باب السلوكيات التقليدية، التي يلجأ إليها الناس عادة في عرض المظالم أو التعبير عن الاستياء، أو الاحتجاج على قرار أو رفض لسياسة معينة أو المطالبة بإسقاط حكومة. المطالب المطروحة تتجاوز كل ذلك بكثير، فعلى رأس أجندة الشارع الثائر إسقاط النظام؛ إسقاط سياسات ومناهج وسلوكيات وأخلاقيات ورموز مرحلة كاملة. ما يجري هو عمليات تغيير حقيقية ذات صلة مباشرة بما تنطوي عليه دخيلة الإنسان المحروم. هذه التغييرات ليست كما عهدنا في السيناريوهات التي تكررت في بلدان عديدة سابقاً، حين يتلصص بضعة ضباط يمتطون صهوات دباباتهم، على السلطة في ظلام الليل ويفاجئوا الشعب فجراً بقراءة «البيان رقم واحد».
إن ما يحدث الآن هو نهاية طبيعية لأنظمة حكم لم تنبثق أصلاً عن الشعب، بل حكمته بالحديد والنار وزورت إرادته وتناسته حيناً ثم نسيته كلياً، فهي تحصد الآن ما زرعت بالأمس. إنه انفجار كبير يتفق مع حجم المشكلات المتعددة والمتنوعة في هذا الشارع، قدر تعدد وتنوع انتماءات المشاركين في صناعة هذا الانفجار، إثنياً ودينياً وطبقياً ومهنياً واجتماعياً.
الأحداث الخطيرة التي جرت في الشهرين الأخيرين في تونس ومصر، وقد تضاف إلى ذلك أحداث أخرى ربما يصنعها لاحقاً اللهيب المشتعل في هذه المنطقة، أثبتت صحة ما توصلت إليه أكثر من دراسة استراتيجية، من أن الشرق الأوسط والشمال الأفريقي أخطر مناطق العالم وأكثرها قلقاً وعرضة للتغيير، لأنها تحمل بذوره وتربته. فقد فاجأت تلك الأحداث المدوية العالم أجمع، ووضعت الغرب الذي يعتبر، إلى حد بعيد، العراب والحليف لمعظم أنظمة هذه المنطقة، في مواقف حرجة بسبب تردد دوله في اتخاذ مواقف حاسمة إزاءها في وقت مبكر، وذلك لفشلها في قراءة نمط الأحداث وجذورها ومساراتها ونهاياتها، بصورة علمية وواقعية.
ويبدو أن الغرب، على طرفي الأطلسي، قد استفاد من الدرس الذي تلقاه من الشارع التونسي، ووظف ذلك في آليات التعامل مع أحداث مصر، حيث انتقل الموقف الأميركي من هذه الأحداث، من موقف مساند للنظام إلى نقيضه. كان رد الفعل الأميركي الأول لما يجري في ميدان التحرير في القاهرة، مرتبكاً حائراً غامضاً خجولاً متأرجحاً، فقد عكست تصريحات وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون موقفاً متعاطفاً مع النظام، في حين عكست تصريحات الرئيس أوباما موقفاً لا يتفق مع ذلك، فقد كان موقفه أقل تعاطفاً معه.
التردد الأميركي لم يطل كثيراً، فقد حُسم بسرعة لصالح خيار الاصطفاف مع الشارع المصري، حيث يتظاهر الملايين الذين يتطلعون إلى بناء مستقبل مشرق يتسع لأحلامهم. وطالبت الولايات المتحدة بالبدء بإجراءات التغيير الفوري، متخلية بذلك عن أحد أبرز حلفائها في منطقة الشرق الأوسط، وضاربة بتوجسات إسرائيل وقلقها عرض الحائط.
وهي إذ مارست ضغوطها الشديدة عبر القنوات السرية من أجل التغيير، لم تجد حرجاً، وبالتلويح علناً، في أنها قد تعيد النظر في برنامج المساعدات التي تقدمها لمصر، والبالغة قيمتها مليارا وثلثمئة مليون دولار سنوياً، أغلبها على هيئة مساعدات عسكرية.
الولايات المتحدة قررت في هذه المرحلة المهمة من تاريخ الشرق الأوسط والشمال الأفريقي، الرهان على المستقبل، وهي من هذا المنطلق لا تستبعد إقدامها على رفع غطاء الدعم والرعاية عن أي نظام يتعرض لمحنة الاستجواب من شعبه، إذ يبدو أن الولايات المتحدة أصبحت ترى أن الرهان على حاضر هذه المنطقة مجازفة سياسية خطرة، من غير الحكمة الاستمرار في التمسك بها، رغم ما قد يترتب على ذلك من إضرار بمصالحها، وذلك لما لها مع هذا الحاضر من ارتباطات وتحالفات استراتيجية وصلات ووشائج متشابكة على مختلف الأصعدة، منذ أمد طويل.
الموقف الرسمي الأميركي مما جرى في تونس وما جرى في مصر، ينسجم تماماً مع هذا التوجه، فالولايات المتحدة رغم توجسها مما حدث وتخوفها مما قد يتمخض عنه من مجيء قوى إلى سدة الحكم، قد تقلق الاستقرار الذي أسهمت الولايات المتحدة في صنعه والحفاظ عليه في المنطقة منذ معاهدة كامب ديفيد، إلا أنها لم تعد راغبة، أو ربما لم تعد قادرة، على الاستمرار في التغاضي عن الانتهاكات التي لا حصر لها، للحقوق المدنية للإنسان في هذه المنطقة، فذلك يتناقض مع مبادئ الحرية التي تنادي بها، ويحرجها أمام شعبها وأمام الرأي العالم العالمي، من جهة أخرى.
ففي خطابه، بعد ساعات على تنحي الرئيس المصري وتسلم الجيش للسلطة، حيا أوباما الشعب المصري بقوله «شعب مصر قال كلمته وأسمع صوته، ومصر لن تعود أبداً كما كانت، والرئيس مبارك استجاب باستقالته لإرادة التغيير لدى المصريين». وقد اعترف أوباما، في الخطاب نفسه، بأن إدارته وجدت صعوبة في استمرار تأرجحها بين خيار دعم حليفها، وخيار دعم التطلعات الديمقراطية للشعب المصري.
والحقيقة أن الموقف الأميركي من الأزمة المصرية، قد لا تقتصر تداعياته على التأثير على المسارات التي تحدد مستقبل العلاقات الأميركية المصرية، وإنما قد تمتد إلى أبعد من ذلك بكثير. فإدارة الرئيس أوباما توجه بموقفها هذا رسالة بليغة للعالم العربي والإسلامي، مفادها أنها أصبحت أكثر ميلاً للرهان على ما هو قادم في المستقبل، وليس الرهان على ما هو ساكن في الحاضر. وهذه الرسالة أكثر أهمية من الرسالة التي ضمنها الرئيس أوباما في خطابه، الذي وجهه إلى العالم الإسلامي عام 2009.