تحدث الرئيس الأميركي باراك أوباما، مؤخراً، باستفاضة عن الاقتصاد الأميركي. والأمر الذي أخفق في الإشارة إليه، هو أن أميركا لديها الآن اقتصادان، واحد منهما فقط هو الذي يتعافى.
الاقتصاد الذي يتعافى هو وول ستريت والشركات الكبيرة. فالأرباح ترتفع عالياً، والشركات الكبرى تمتلك تريليون دولار من السيولة، والناس الذين يمتلكون الكثير من الأصول المالية، أو الذين يعتبرون «موهبين» يبلون بلاء حسنا للغاية.
ولكن معظم الأميركيين تركوا في مستوى متدنٍ. فهم بلا عمل، أو أنهم يحصلون على رواتب ضعيفة من وظائفهم، والفوائد التي يحصلون عليها لا تزال تتقلص. وهم لا يزالون مدفونين تحت وطأة الدين، ولم يتعاف اقتصادهم على الإطلاق.
بعبارة أخرى، فإن اتحادنا الاقتصادي يتهاوى، ولا بد للرئيس الأميركي أن يكون واضحاً إزاء ما حدث ولم إذا حدث.
تحقق الشركات أرباحاً من مبيعات عملياتها الخارجية، لاسيما في الصين والهند. وهنا في أميركا، تبيع الشركات للأميركيين الأغنياء (زادت مبيعات عيد الميلاد في متاجر تيفاني وشركاه ونيمان ماركوس، ولكن المبيعات تراجعت بالنسبة لتجار التجزئة ذوي المستوى الأقل)، لكن الدافع الأكثر أهمية بالنسبة لارتفاع أرباح الشركات، هو خفض التكاليف، خاصة الرواتب. فكانت النتيجة انخفاض عدد الوظائف وانخفاض الأجور.
عجّل الكساد العظيم بانطلاق التيارات التي بدأت قبل ثلاثة عقود، وهي التعهيد في الخارج، وأتمتة العمل، وتحويل وظائف بدوام كامل إلى وظائف مؤقتة وأخرى بعقود، وتقويض عمل النقابات، والحصول على تنازلات أجور ومنافع من العمال الباقين، فقد جعلت الإنترنت والبرمجيات كل هذه الأمور أسهل.
يصل حجم الاقتصاد الأميركي الآن ضعف ما كان عليه عام 1980، لكن الأجر المتوسط الحقيقي تزحزح بالكاد، واستأثرت الطبقة الأعلى بمعظم فوائد النمو الاقتصادي.
في أواخر السبعينات من القرن الماضي، حصل أغنى 1٪ من الأميركيين على حوالي 9٪ من إجمالي الدخل القومي. ومع بداية فترة الركود الكبير، تلقوا أكثر من 23٪. أصبحت الثروة أكثر تركيزاً.
يعتبر هذا هو لب مشكلتنا، فمعظم الأميركيين لم تعد لديهم القدرة الشرائية لتحريك الاقتصاد من جديد، وبمجرد انفجار فقاعة الديون، تقطعت بهم السبل.
لقد حدث ذلك من قبل. وكانت آخر سابقة في التاريخ الأميركي حصل فيها أغنى 1٪ من الأميركيين على أكثر من 23٪ من مجموع الإيرادات، في عام 1928. ونحن نعرف ما حدث في عام 1929.
ولا يقع اللوم على الشركات في ذلك، فهي في نهاية المطاف، معنية بتحقيق أرباح. لكن اللجوء إلى الشركات وكبار التنفيذيين فيها وتعيينهم كمستشارين اقتصاديين، لن يكون مجدياً. فما هو صالح بالنسبة للشركات، ليس بالضرورة صالحاً للعمال الأميركيين. كما أنه ليس خطأ الأغنياء الذين لعبوا وفقاً للقواعد.
المشكلة هي أن القواعد تحتاج إلى إصلاح. يحتاج الأميركيون من الطبقة المتوسطة إلى صفقة اقتصادية أفضل، ولا بد أن يأخذ الرئيس أوباما زمام المبادرة في هذا الشأن، لكنه لم يقطع شوطاً في هذا الصدد.
ينبغي عليه ابتداءً، أن يتقدم باقتراح لتوسيع قانون الائتمان الضريبي على الدخل المكتسب (في الأساس لدعم الأجور) على طول الخط، من خلال الطبقة المتوسطة.
ينبغي عليه أن يجعل النظام الضريبي أكثر تصاعدية، فلا بد من خفض معدل الضريبة على الشريحة الأولى من الدخل، التي تتراوح بين 50 ألفاً و90 ألف دولار إلى 10٪، والشريحة التالية من 90 ألفاً إلى 150 ألف دولار بـ20، وجعل الشريحة التالية من 150 ألفاً إلى 250 ألف دولار 30٪.
تكوين الإيرادات عن طريق زيادة الضرائب، على هؤلاء الذين يكسبون ما بين 250 ألفاً و500 ألف دولار إلى 40٪، وعلى الذين يكسبون بين 500 ألف و5 ملايين دولار إلى 50٪، وأي دخل يتجاوز 5 ملايين دولار إلى 60٪، فضريبة رأس المال تكسب القدر نفسه من الدخل العادي.
بالإضافة إلى ذلك، ينبغي على الرئيس الدعوة إلى تعزيز النقابات، من خلال زيادة العقوبات على أرباب العمل الذين يردعونهم بطريقة غير مشروعة.
نعم سوف يحتاج الرئيس إلى تخفيض العجز في الميزانية على المدى الطويل، ولكن يجب عليه أن يتأكد من التمييز بين الاستثمارات العامة التي تبني الإنتاجية في المستقبل (في التعليم والبنية التحتية ومجال البحث والتطوير الأساسي)، والنفقات التي تعمل على تحسين حياتنا أو تحفظ علينا الأمن اليوم.
أخيراً، يتعين أن يجعل التعليم الجامعي في المتناول، من خلال السماح بسداد القروض الفيدرالية بنسبة 10٪ من الأرباح، على السنوات العشر الأولى من العمل بدوام كامل. ومن المؤكد أن الأثرياء الأميركيين سيكونون أفضل حالاً، بالحصول على نصيب أصغر من اقتصاد متنامٍ بسرعة كبيرة، بدلا من حصولهم على نصيب أكبر من اقتصاد يبقى في هوة عميقة.