عادت مصر إلى طبيعتها. فمصر التي بدت للعالم منذ أسابيع قليلة، مكسورة ساكنة، انتفضت ذات صباح، فانقشع عنها فجأة ذلك الغبار الكئيب الذي علق بوجهها الجميل. عادت الروح المصرية بكل بهائها لتتصدر المشهد. شاهد العالم بالصوت والصورة، شعب مصر كله في الشارع يدافع عن كرامته ويتحدى الرصاص الحي، متسلحا فقط بإيمانه بقضيته وإصراره على تحقيق إرادته.
كشفت أسابيع الثورة المصرية عن أن كل ما يقال عن الشخصية المصرية في الكتب، ليس مبالغات. فالعزيمة والذكاء المصري الفطري وروح التحدي والفكاهة، عبرت عن نفسها بوضوح وتلقائية مدهشة، طوال الأسابيع الماضية. فمع كل عناد جديد من النظام، كانت العزيمة المصرية الجبارة تتجلى في صورة مزيد من الإصرار على تحقيق الهدف. فلا الرصاص الحي ردع المصريين، ولا قنابل المولوتوف أرهبتهم. وحين اختفى جهاز الأمن عمدا حتى تعم الفوضى فينقلب الناس على المتظاهرين، خرج الأهالي لحماية الأحياء وانضموا بالملايين للمتظاهرين. وحين كذب الإعلام الرسمي، لفظه الناس وطالبوا بمحاكمة المسؤولين عن أكاذيبه.
وقد تجلى ذكاء المصريين الفطري، حين أدركوا أنهم متى خرجوا للشارع، فإن عليهم أن يكملوا المشوار حتى نهايته، مهما كانت التضحيات.
أما روح الفكاهة المعروفة عن المصريين، فهي لم تختف حتى في أحلك اللحظات. فقد حول الناس كل اتهام من النظام للشرفاء، إلى عشرات النكات، وعبروا عن عناد النظام بقفشات ولافتات وشعارات نقلها العالم بالصوت والصورة.
وحين تخرج للشارع أمة ذات حضارة، فلا بد أن يكون خروجها يليق بتلك الحضارة. فالثورة المصرية صارت واحدة من الثورات الاستثنائية في التاريخ، من حيث قدرتها الفذة على أن تظل سلمية من بدايتها وحتى تحقيق النصر. فأغلب الثورات الناجحة في العالم، استخدمت العنف وتحولت إلى أنهار من الدماء. لكن في الحالة المصرية كان الوضع مختلفا، فرغم سقوط الشهداء برصاص الأمن، إلا أن الثوار أصروا على سلمية أدواتهم، ولم يحملوا سوى سلاح الإيمان بقضيتهم وبأن بلادهم تستحق أفضل بكثير مما هي فيه.
ولعل ثورة 25 يناير هي أولى الثورات في التاريخ المصري، التي خرجت فيها كل طبقات المجتمع من أجل رحيل النظام. كما التحمت في شوارع مصر كل ألوان الطيف السياسي، من أقصى اليمين لأقصى اليسار، وعادت مصر لطبيعتها التي يستحيل فيها التمييز بين مسلم ومسيحي في الميدان.
ومن المؤكد أن الكثير مما جرى في هذه الثورة، يحمل من العبر والدروس ما يستحق التأمل، بل لعلني أزعم أن الكثير مما جرى في مصر خلال الأسابيع الماضية، سوف يدرس في العالم كله.
ولعل الدرس الأول الذي كان واضحا، هو ذلك الذي عبرت عنه الشعوب العربية بتلقائية، فور انتصار الثورة المصرية. فبعيدا عن كل الأيديولوجيات الفارغة، كان العرب يشعرون بمحنة المصريين، وتألموا لألمهم، ثم فرحوا معهم، بل شاركوهم الشعور بالعزة. كنت أتنقل مثلا بين الفضائيات، فوقعت عيني على شاب يقف وسط جموع كبيرة، كان قد فاتني ما قال المذيع في أي بلد عربي تجمعوا، ولكن ذلك الشاب العربي كان ينظر للشاشة ويقول لنا نحن المصريين «والله ما رفعت رأسي إلا بانتصاركم». تلك الكلمات العفوية التي هزت كياني، تتابع خروجها من كل مكان في العالم العربي، وهي بالغة الدلالة دون الحاجة للكلام الكبير والنظريات عن الوطن العربي الواحد.
والحقيقة أن الشعوب العربية أدركت فعلا بفطرتها، أن مصر عادت لأمتها العربية. فمصر التي كانت مكسورة حزينة في العقود الماضية انتهت، وولدت هذا الأسبوع مصر جديدة عفية ولادة، ستعود لحضن أمتها العربية. فمصر التي ألهمت الدنيا بثقافتها وعزتها، ستعود من جديد رقما مهما في حسابات الإرادة العربية. والملايين الهادرة التي خرجت في شوارع مصر لتستعيد كرامتها، أعلنت أنها صاحبة القرار من الآن فصاعدا، وهو ما سيمثل مزيدا من العافية لأمة العرب. فهذه الملايين الثائرة ستعيد بوصلة مصر إلى وضعها الصحيح، الذي لا تخاصم فيه بلادي أحدا من أشقائها العرب، ولا تتآمر عليهم ـ كما فعل للأسف النظام السابق ـ وإنما ستعود مصر الشقيقة الكبرى لتحتضن أشقاءها وتحميهم.
ولا أخفي عليكم يا أشقائي، أنني كنت في السنوات القليلة الماضية أسافر إلى أية مدينة عربية من المحيط للخليج، فلا أكف عن الاعتذار عن سياسة النظام السابق تجاه إخواننا وأشقائنا. وكان يؤلمني كثيرا سؤال الأشقاء «أين مصر؟»، وهو سؤال سمعته في كل بلد عربي زرته.. فها هي مصر قد عادت لطبيعتها ولإخوانها.
غير أن العالم أيضا تعلم درسا مهما من ثورة مصر. فهو تعلم أنه ليس بإمكانه بعد اليوم الاستهانة بالمصريين والعرب، بل أستطيع أن أزعم أن تحولات كبرى ستطرأ على الحسابات الدولية، ليس احتراما من النظم السياسية في العالم لمصر والمصريين، وإنما احتراما من تلك النظم للرأي العام في بلادها. فالرأي العام العالمي تغيرت نظرته للمصريين والعرب، بفعل ما جرى في مصر ومن قبلها في تونس، وهو ما سوف يطرح تأثيراته بالضرورة على السياسة الدولية.
كاتبة مصرية